المقارنة بين كرمة المؤرث وسعي الوارث في القانون اليمني
المقارنة بين كرمة المورث وسعي الوارث
لا تركة إلا بعد سداد الديون، قاعدة فقهية معتبرة تعني أنه لا تجوز قسمة التركة إلا بعد سداد الديون أو الالتزامات القائمة على أموال التركة أو المال المطلوب قسمته بين الورثة.
ولا تكاد تخلو تركة من الديون والالتزامات المتعلقة بها، ولذلك فإن من أهم إجراءات القسمة تصفية الديون والالتزامات والحقوق المترتبة على التركة قبل قسمتها على الورثة.
ومن الالتزامات التي تتعلق بالتركة الشراكة العرفية التي تنشأ بين المورث ووارثه عندما يساهم المورث برأس المال ويساهم الوارث بالعمل أو السعي، ففي هذه الحالة ينبغي قبل إجراء القسمة معرفة مقابل سعي الوارث وإخراجه من تركة المورث، وهذا الأمر يستدعي تحديد الأموال التي كان المورث يملكها قبل الشراكة مع الوارث ومعرفة العائد المتحقق من الشراكة ومعرفة الأموال المكتسبة والمستفادة من الشراكة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٤/٧/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٥٥٨١)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:
"وبالنظر إلى تركة والد المستأنف فقد ثبت بشهادة الشهود أنه لم يكن لدى المورث إلا صندقة في السوق يبيع فيها البسباس والحلبة، وأن عدد أفراد أسرة المورث كانت كبيرة وكان يتم الإنفاق عليها من دخل تلك الصندقة، كما ثبت بشهادة الشهود أيضاً أن نشاط المستأنف كان له الدور الأساسي في تحقيق المستفاد وهي الدكاكين المعمورة في السوق، لأن المستأنف قد تفرغ للعمل التجاري وأنه قد أنفق على والدته وإخوانه وأنفق على تعليمهم، ولذلك فإن المستأنف يستحق نصف الأموال على أن يقسم النصف الثاني بحسب الأنصبة الشرعية بين الورثة"
وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي، أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"فقد توصل الحكم الاستئنافي إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون، إذ إنه توصل إلى ثبوت السعي بين الابن وأبيه، بناء على قناعة ثابتة فيما يخص السعي"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى كرمة المورث:
الكرمة هي رأس مال المورث: وهو مساهمة المورث في الشركة العرفية أو الشراكة التي تنشأ فيما بين المورث ووارثه، والكرمة تكون مالاً نقدياً كما قد تكون مالاً كالصندقة التي ذكرها الحكم محل تعليقنا، والصندقة عبارة عن كوخ أو كشك مؤقت لبيع سلع شعبية.
وقد تكون الكرمة مالاً نقدياً، كما قد تكون الكرمة هي كل ما يملكه المورث وقد تكون جزءاً من أملاك المورث.
وتتحدد حصة المورث من أرباح النشاط أو الشراكة بحسب دور الكرمة في تحقيق النماء والأرباح والأموال المستفادة من الشراكة وزيادة حجم نشاط الشراكة.
الوجه الثاني: معنى سعي الوارث مع مورثه أثناء حياة المورث:
كلمة (السعي) الشائعة في اليمن عربية فصحى مستفادة من قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، وعلى هذا الأساس فإن معنى (السعي) هو: العمل أو الجهد الذي بذله الوارث الساعي في سبيل زيادة أرباح الشراكة التي تنشأ مع مورثه وتوسيع وتطوير نشاطها، ويتم احتساب ما يستحقه الساعي على أساس المردود الذي حققه الوارث الساعي لحساب الشراكة مع مورثه، ويتم تقدير حصة الوارث الساعي على أساس دور السعي في تحقيق النماء والربح وتطوير وتوسيع نشاط الشراكة مع المورث واكتساب الأموال من عائدات الشراكة.
الوجه الثالث: المقصود بالمقارنة بين كرمة المورث وسعي الوارث:
ذكرنا في الوجهين السابقين معنى الكرمة ومعنى السعي على حدة، أما المقصود بالمقارنة بينهما فهو: تحديد أموال الكرمة وقيمتها في بداية النشاط وبعده ومعرفة الناتج أو النماء أو الربح الذي حققته الكرمة فعلاً والربح المعتاد المتحقق منها والأرباح المتوقعة عادة في الأموال المماثلة لأموال الكرمة.
وكذا تحديد نوع السعي أو العمل الذي قام به الساعي وعمر الساعي عند بدء سعيه ومدة السعي وبدايته ونهايته ونوعه وتأثيره في الشراكة وفي الأموال المستفادة من الشراكة، وما إذا كان الساعي قد خصص كل وقته للعمل في الشراكة ومعرفة السمعة التي يتمتع بها الساعي في السوق.
ومن المهم للغاية تحديد بداية الشراكة بين المورث صاحب الكرمة وبين الوارث صاحب السعي ومدة هذه الشراكة، ومعرفة الطرف الذي كان يتولى إدارة النشاط وشراء الأموال المستفادة من الشراكة وما إذا كان الشراء يتم باسم الطرفين أم أحدهما. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الشركة العرفية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص١٥٠).
الوجه الرابع: الهدف من المقارنة بين كرمة المورث وسعي الوارث:
يتلخص هذا الهدف في الآتي:
- معرفة تأثير كل من الكرمة والسعي في الشراكة وفي الأرباح التي حققتها الشراكة ومقدار أو نسبة الربح المستحقة لكل منهما.
- حصر أموال الكرمة التي ساهم بها المورث في الشراكة بداية، والتي تكون ملكاً خاصاً للمورث ولورثته من بعده، وكذا حصر الأموال المستفادة من الشراكة وتحديد حصة المورث صاحب الكرمة من الأموال المستفادة وكذا تحديد حصة الوارث الساعي من الأموال المستفادة.
- تصفية الشراكة بين المورث ووارثه الساعي تمهيداً لقسمة تركة المورث.
- تسهيل إجراءات قسمة تركة المورث. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص١٨٤)، والله أعلم.
تعليقات
إرسال تعليق