مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية في القانون اليمني
مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية
منقول عن : أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
اشترط قانون المرافعات في المادة (231) أن يقوم القاضي بمناقشة أوجه الدفاع الجوهرية ضمن أسباب الحكم، ورتب القانون بطلان الحكم إذا أغفل القاضي مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية، ولذلك ينبغي بيان ماهية وسائل أو اوجه الدفاع الجوهرية ومعنى المناقشة وكيفيتها ونطاقها وجزاء عدم المناقشة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10/10/2010م في الطعن رقم (36011)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((كما أن الثابت من الأوراق والوقائع المدونة في الحكم أن الطاعن تقدم بإستئناف جزئي على الحكم الابتدائي كما هو مدون في عريضة إستئنافه إلا أن الشعبة الاستئنافية اهملته ولم تناقشه في حيثيات حكمها وتفصل فيه في منطوق حكمها قبولاً أو رفضاً ، مما يعد مخالفة لأحكام المادتين (286 و288) مرافعات، ولا ريب أن عدم مناقشة وسائل الدفاع الجوهرية المؤثرة في النزاع والرد عليها يعد قصوراً في التسبيب ومخلاً بسلامة الحكم ويجعل الحكم باطلاً وفقاً لأحكام المادة (231) مرافعات، وهذا كافٍ للرد على بقية الأسباب ، مما يعني نقض الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى محكمة الاستئناف للفصل فيها مجدداً))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية أوجه الدفاع الجوهرية:
اشار الحكم محل تعليقنا بأن أوجه الدفاع الجوهرية هي: تلك المؤثرة في النزاع، أي تلك الأوجه التي يتغيرعند نظرها ونقاشها وجه الحكم أو الرأي في القضية إذا ما تم عرضها ومناقشتها والرد عليها ضمن أسباب الحكم، فيترتب على نظرها ومناقشتها تغيير الحكم لصالح الخصم الذي ابدى أوجه الدفاع أو يترتب عليها عدم الحكم لصالح خصمه بالحق كله أو بعضه.
ولذلك يتعين على الخصم حينما يقدم أوجه دفاعه الجوهرية أن يبين للمحكمة مظاهر جوهريتها وتأثيرها في طلباته أو طلبات خصمه، وكذلك الحال حينما يقوم الخصم بالطعن في الحكم مدعياً إغفاله لطلباته الجوهرية عليه حينئذ ان يبين مظاهر الجوهرية .
ويتعين على الخصم بيان أوجه الجوهرية ومظاهرها حتى تقدر محكمة الموضوع أو محكمة الطعن مدى تأثير أوجه الدفاع المقدمة من الخصم أو التي يدعي إغفالها رغم جوهريتها وتأثيرها.
الوجه الثاني: جزاء إغفال الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية بطلان الحكم:
نصت الفقرة (ب) من المادة (231) مرافعات على أنه (-ب- يعتبر عدم مناقشة القاضي لوسائل الدفاع الجوهرية ورده عليها ومخالفة الأسباب للنصوص أو الوقائع قصوراً في التسبيب يجعل الحكم باطلاً).
وهذا النص صريح في وجوب تضمين أسباب الحكم وسائل الدفاع الجوهرية ووجوب مناقشتها والرد عليها، والفصل فيها في منطوق الحكم بقبولها أو رفضها، إضافة إلى أن النص القانوني السابق قد صرح أيضاً بأن الجزاء المترتب على عدم تضمين وسائل الدفاع الجوهرية ضمن أسباب الحكم ومناقشتها هو بطلان الحكم، ولذلك فقد لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد قضى ببطلان الحكم الذي لم يتعرض لأوجه الدفاع الجوهرية في أسبابه ولم يفصل فيها في أسبابه، فالحكم المطعون فيه كان قد اغفل الاستئناف الجزئي المقدم من الطاعن فلم يناقشه في اسبابه ولم يفصل فيه في منطوقه.
الوجه الثالث: معنى مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية:
معنى ذلك أن يذكر القاضي في أسباب حكمه خلاصة كافية لوسيلة الدفاع أو وجه الدفاع ثم يناقش ذلك تفصيلاً مبيناً مدى صحة وجه الدفاع من حيث تحقق أدلة وجوده أو عدمه ومن حيث موافقته للقانون أو مخالفته، وبيان أسباب أخذ القاضي بوجه الدفاع أو طرحه له، وعندما يصل القاضي إلى منطوق الحكم يجب عليه أن يفصل في وسيلة أو وجه الدفاع الذي سبق له مناقشته في الأسباب، فإذا كان القاضي قد توصل في أسباب الحكم إلى صحة وجه الدفاع وقانونيته فإنه ينص في المنطوق على قبول وجه الدفاع، وإذا كان قد توصل في أسباب الحكم إلى عدم الأخذ بوجه الدفاع فأنه ينص في المنطوق على رفض أو عدم قبول وجه الدفاع.
الوجه الرابع: عدم مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية قصور في تسبيب الحكم:
ذكرنا فيما سبق أن مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية تقتضي أن يذكر القاضي في أسباب حكمه خلاصة موجزة لوجه الدفاع الجوهري ثم يناقش ذلك على النحو السابق بيانه في هذا التعليق، وهذا يعني أن مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية جزء من أسباب الحكم، وعلى هذا الأساس فإن عدم مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية ضمن أسباب الحكم يعد قصوراً في التسبيب، وهذا الأمر ظاهر في الفقرة (ب) من المادة (231) مرافعات التي نصت على أنه (-ب- يعتبر عدم مناقشة القاضي لوسائل الدفاع الجوهرية ورده عليها ومخالفة الأسباب للنصوص أو الوقائع قصوراً في التسبيب يجعل الحكم باطلاً)، فمن خلال إستقراء هذا النص يظهر أنه قد استعرض أهم مظاهر القصور في تسبيب الحكم وفي مقدمتها عدم مناقشة الحكم لوسائل الدفاع الجوهرية ثم مخالفة الأسباب للنصوص القانونية أو الوقائع محل النزاع، وإفراد القانون لعدم مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية في هذا النص وجعلها في مقدمة النص للتدليل على أن عدم المناقشة من أهم مظاهر أوجه القصور في تسبيب الحكم، سيما أن هناك أوجه قصور أخرى لتسبيب الحكم لم يرد ذكرها في النص السابق.
الوجه الخامس: عدم مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية ضمن أسباب الحكم سبب كافٍ لنقض الحكم أو إبطاله:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن عدم مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية سبب كافٍ لنقض الحكم دون حاجة إلى عرض الأسباب الأخرى ، حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا.
وهذا دليل على خطورة إغفال الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية وتأثير الإغفال، فعدم مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية وعدم الفصل فيها في منطوق الحكم يعني أن الحكم قد تجاهل أوجه دفاع الخصوم واهدرها رغم أن الخصوم قد ابدوها أمام القضاء وتمسكوا بها واحتكموا إلى نصوص القانون وعدالة القاضي الذي يقوم بتطبيقها.
الوجه السادس: معنى السبب الكافي لنقض الحكم أو إبطاله:
قضى الحكم محل تعليقنا بان عدم مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية سبب كافٍ لنقض الحكم، ومؤدى ذلك أن محكمة الطعن إذا تحققت من توفر سبب واحد يكفي لنقض الحكم أو إبطاله فإنها غير ملزمة بعرض ومناقشة أسباب الطعن الأخرى، ومن هذه الاسباب التي تكفي لنقض الحكم عدم مناقشة الحكم لاوجه الدفاع الجوهرية وعدم الفصل فيها .
ولا يلحق الطاعن في هذه الحالة ضرر من عدم إستعراض محكمة الطعن لبقية أسباب طعنه طالما وقد تحقق مقصود وهو نقض الحكم أو القضاء ببطلانه أو الغائه.
الوجه السابع: مناقشة الحكم لأوجه الدفاع الجوهرية من أهم ضمانات المحاكمة العادلة:
لا يستطيع القاضي أن يستبين الحق إلا إذا تساجل أمامه الخصوم وابدوا أوجه دفاعهم ودفوعهم وأدلتهم وردودهم وتعقيباتهم ، كما أن القاضي أيضاً لا يستطيع أن يستبين الحق إلا إذا استعرض في أسباب حكمه أدلة وأوجه دفاع ودفوع الخصوم الجوهرية وناقشها وابرز مالها وما عليها وذكر أسباب أخذه بها أو طرحه لها وقام بالترجيح بينها حتى يكون حكمه عنواناً للحق والحقيقة، فمن خلال مناقشة القاضي لأوجه الدفاع الجوهرية تطمئن نفس القاضي لعدالة حكمه ثم تطمئن نفوس الخصوم لعدالة الحكم وعدالة القاضي، فضلاً عن أن مناقشة الحكم لاوجه الدفاع الجوهرية تمكن محكمة الطعن من بسط رقابتها على إحترام الحكم لنصوص القانون والتحقق من ان لاسباب الحكم أصل في أوراق القضية ، فلا تستطيع محكمة الطعن بسط رقابتها إذا لم تتم مناقشة أوجه الدفاع الجوهرية.
الوجه الثامن: لا يلزم مناقشة أوجه الدفاع غير الجوهرية:
في الأوجه السابقة ذكرنا أن وسائل الدفاع الجوهرية هي المؤثرة في وجهة الحكم أي تلك التي يترتب عليها تغير الحكم أو تعديله أي تعديل رأي القاضي أو تعديل الشيء المحكوم به لصالح الخصم أو عليه، وبناءً على ذلك لا يلزم القاضي أن يناقش أوجه الدفاع غير الجوهرية لعدم تأثيرها في الحكم، بيد أن الاتجاهات الحديثة في تسبيب الاحكام تتجه إلى أنه ينبغي على القاضي أن يناقش أيضاً أوجه الدفاع غير الجوهرية وأن يذكر أنها غير مؤثرة في حكمه، لأن إضراب القاضي عن مناقشتها يدل على تولد قناعة مسبقة لدى القاضي بعدم أهمية وجوهرية بعض الأدلة أو أوجه الدفاع، فضلاً عن أن ذلك تحكم من القاضي، فمن حق الخصم أن يضع القاضي كافة أدلته وأوجه دفاعه في ميزان القضاء الذي يرجح بينها مسلية مدى جوهريتها من عدمه، ولا يتحقق ذلك إلا إذا ناقش القاضي ضمن أسباب حكمه اوجه الدفاع الجوهرية وغير الجوهرية.(تسبيب الأحكام القضائية وتطبيقاتها، د. دفع الله حيدر علي، ص162).
والأمانة العلمية تقتضي القول: أن أغلب أحكام القضاء اليمني تحرص على مناقشة كافة أدلة الخصوم الجوهرية وغير الجوهرية، وهذا سلوك محمود للقضاء اليمني. والله اعلم
تعليقات
إرسال تعليق