المناقلة في القانون والقضاء اليمني
المناقلة في القانون والقضاء اليمني أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء من خصوصيات الواقع والقانون في اليمن التصرف في العقارات عن طريق (المقابضة) بحسب المصطلح الوارد في القانون اليمني او مصطلح (المناقلة) وهو المصطلح الشائع في الشائع في واقع الحال باليمن, ومصطلحات المناقلة والمقابضة لهما مدلول واحد وهو مبادلة عقار بعقار, وقد كان هذا التصرف شائعا في اليمن بكثرة الى وقت قريب, ولكن اثاره وتداعياته ما زالت بادية للعيان حتى الان للجهالة التي كانت تعتري البدلين والتناسب بينهما والتي كانت تفضي في احيان كثيرة الى النزاع والخلاف بين المتقابضين وساحات المحاكم تشهد على حضور القضايا المتعلقة بالمناقلة و تداعياتها, ومن الاحكام النادرة التي تناولت هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 23/1/2011م في الطعن المدني رقم (42000) لسنة 1431هـ, وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان شخصين اتفقا على ان يتناقلا في مواضع زراعية وهي مواضع معينة بأسمائها ومساحاتها وحدودها بحيث يتبادل الطرفان المتناقلان تلك المواضع ؛ وبالفعل تمكن المدعى عليه من الثبوت وتملك المواضع التي الت اليه عن طريق المناقلة في حين تمكن المدعي من الثبوت وتملك غالبية المواضع التي تم مناقلته اليها غير انه لم يتمكن من الثبوت على موضع منها ربما انه اكثرها مساحة بسبب قيام والد المدعى عليه في وقت سابق بالتصرف في ذلك الموضع الى الغير, ولذلك تنازع الطرفان المتناقلان حيث بادر الطرف الذي لم يتمكن من الثبوت على ذلك الموضع بادر الى رفع دعوى امام المحكمة الابتدائية المختصة طالب فيها بالزام المدعى عليه بتسليمه موضعا زراعيا مساويا للموضع المنتكل وحدد المدعي في دعواه ذلك الموضع الذي يطالب بتسليمه اليه, وقد سارت محكمة اول درجة في اجراءاتها حتى توصلت الى الحكم بتسليم المدعي الموضع المطلوب البديل كونه مساويا للموضع المنتكل في القيمة والاهمية, فلم يقنع المدعى عليه بالحكم الابتدائي فسارع الى استئناف ذلك الحكم امام محكمة الاستئناف التي ايدت الحكم الابتدائي مسببة حكمها بانه لا تناكر بشأن وقوع المناقلة وانما النزاع محصور بشأن الموضع المنتكل الذي تعذر على المستأنف ضده حيازته بسبب قيام والد المستأنف بالتصرف في ذلك الموضع الى الغير, فلم ييأس المستأنف حيث قام بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي امام المحكمة العليا التي اقرت الحكم الاستئنافي مسببة حكمها بانه (من خلال الرجوع الى اوراق القضية فقد وجدت الدائرة ان الشعبة الاستئنافية قد سارت في اجراءات نظر القضية بصورة سليمة موافقة للقانون حيث استوفت الشعبة التحقيق في اسباب انتكال الموضع المشار اليه وتاريخ ذلك وحيث قد تصادق الطرفان على وقوع المناقلة وعلى انتكال الموضع المشار اليه, لذلك فان الحكم المطعون فيه قد جاء موافقا لأحكام الشرع والقانون) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الاوجه الاتية :
الوجه الاول : المناقلة والمقابضة في القانون المدني :
اطلق القانون المدني على المناقلة مسمى (المقابضة) حيث نصت المادة (585) مدني على ان (المقابضة هي تبادل مال بمال ليس من النقود وتسري عليه احكام البيع بالقدر الذي تسمح به طبيعتها ويعتبر كل من المتقابضين بائعا للشيء الذي قابض به ومشتريا للشيء الذي قابض عليه ويتحمل المتقابضان المصاريف مناصفة مالم يوجد اتفاق بغير ذلك) وبموجب هذا النص فان القانون المدني اليمني قد راعى التصرفات الموجودة في الواقع اليمني بمسمى (المناقلة) وقام بتنظيمها في القانون حتى يصبغ القانونية على هذا التصرف حماية للتصرفات الكثيرة التي تمت بهذا المسمى في المجتمع اليمني لا سيما في الماضي, ولا شك ان المصدر الذي اخذ منه القانون المدني المناقلة او المقابضة هو فقه الشريعة الاسلامية الذي كانت تستند اليه المناقلات في الاراضي في اليمن.
الوجه الثاني : ماهية المناقلة والمقابضة ومفهومها :
المناقلة والمقابضة والمبادلة هي مسميات عدة لتصرف واحد وهو : تبادل عقار بعقار مساو له بالقيمة والاهمية؛ مثل ان يتفق عامر وناصر على ان يكون دكان عامر الواقع في شارع جمال ملكا لناصر مقابل ان يكون دكان ناصر الواقع في شارع هايل ملكا لعامر, فاذا كان العقاران محل المناقلة متساويين في القيمة فان المناقلة تتم عقارا بعقار سواء بسواء اما اذا كان العقاران متفاوتان في القيمة فانه يجب على صاحب العقار الاقل قيمة ان يدفع الفارق الذي يطلق عليه مسمى (النقيصة) او (التوفية) والمناقلة في الغالب تتم في العقارات الا انه من الجائز ان تتم في المنقولات من غير الاصناف الربوية كالنقود والذهب والفضة وغيرهم, لان مبادلة النقود بالنقود يكون من قبيل عقد الصرف وليس المقابضة والمناقلة, فالأصناف الربوية والنقود لها احكامها وضوابطها التي ذكرها الفقهاء في مؤلفاتهم ونظمها القانون المدني اليمني والقانون التجاري وغيرهما, علما بان الفقهاء يفرقون بين المناقلة او المقابضة من جهة وبين المبادلة؛ فالمناقلة والمقابضة تكون في العقارات في حين تكون المبادلة في المنقولات من غير النقود والاصناف الربوية.
الوجه الثالث : التكييف القانوني للمناقلة : بينت المادة (585) مدني السابق ذكرها بينت تكييف المناقلة حيث نصت على ان (يعتبركل من المتقابضين بايعا للشي الذي قابض به ومشتريا للشي الذي قابض عليه ويتحمل المتقابضان المصاريف مناصفة مالم يوجد اتفاق بخلاف ذلك) ومن خلال استقراء هذا النص نجد ان المتناقلين يعد كل واحد بائعا ومشتريا في ان واحد فالمناقل بائع لعقاره ومشتريا لعقار المناقل الاخر ولذلك تسري على المناقلة احكام عقد البيع ومن ذلك ضمان الانتكال ؛ولذلك نجدالحكم محل تعليقنا قد قضى بان يضمن المناقل الموضع الذي لم يتمكن المدعي المحكوم له من الثبوت عليه؛ومن خلال ماتقدم يظهر بجلاء تام ان المناقلة تختلف عن الشفعة فالشفعة جبرية في حين ان المناقلة اختيارية تتم بتراضي واختيار الطرفين.
الوجه الرابع : الاسباب التي ادت الى وجود نظام المناقلة في اليمن:
هناك اسباب كثيرة لذلك؛ وسوف نكتفي بالإشارة الى بعضها في هذا التعليق الموجز كما يأتي : 1- عدم توفر النقود لدى الطرفين المتناقلين بسبب حالة الفقر التي تسود في المجتمع اليمني ماضيا وحاضرا ومستقبلا ؛ لذلك عندما يحتاج الشخص الى العقار الملاصق لمنزله او ارضه او حقه وليس هناك سبب من اسباب الشفعة لذلك يقوم بالاتفاق مع مالك تلك العقارت الملاصقة على مبادلة تلك العقارات بعقارات في مناطق اخرى بدلا عن هذه العقارات الملاصقة, وقد تكون العقارات المستبدلة لها اهميتها بالنسبة للطرف الاخر . 2- احتياج الاشخاص لبعض العقارات وتفاوت هذا الاحتياج بين ملاك العقارات فالشخص يحتاج الى العقار الملاصق لمنزله او ارضه او حقه وليس هناك سبب من اسباب الشفعة؛ لذلك يقوم بمبادلة هذا العقار بعقارات في مناطق اخرى به , وقد تكون العقارات المستبدلة لها اهميتها بالنسبة للطرف الاخر . 3- دفع مضار الجوار والخلطة : غالبية حالات المناقلة تكون بالنسبة للأرض المجاورة للأملاك او للدور حيث يتفق الطرفان على مبادلة الاراضي المجاورة التي الت اليه او في حالة ان تكون هناك مساحة صغيرة لشخص ضمن مساحة كبيرة لمالك اخر فعندئذ تتم المناقلة على اساس ان تؤول الارض الصغيرة لمالك المساحة الاكبر في الموضع الواحد . 4- للمناقلة قواعد شرعية وعرفية في اليمن تنظمها تدل على ان الشعب اليمني شعب حضاري له قيم متسامحة كانت ولا زالت تحمله على مناقلة ارضه بارض اخرى اذا كان اخيه اكثر حاجة منه اليها مقابل ان يمنحه ارض اخرى .
الوجه الخامس : شبهات وردود بشأن المناقلة :
هناك من يذهب ان المناقلة تعتريها الجهالة من حيث مساحة الاراضي محل المناقلة وثمنها ؛ ويرد على هذه الشبهة بان الغالب ان الاراضي محل المناقلة تكون متساوية من حيث مساحتها وقيمتها واهميتها وعائداتها ؛ كما يذهب اخرون الى القول بان المناقلة يكون فيها احراج للمالك المتمسك بارضه لحمله على مبادلة ارضه بارض اخرى وذلك ينافي قوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب من نفسه) وغير ذلك من الشبهات ؛ولكن هذه الشبهة مردودة بالقول بان العيب ليس في نظام المناقلة وانما في سوء تطبيقه, كما ان بعض الباحثين المعاصرين يشنع على نظام المناقلة بانه نظام منقرض فهو من انواع المعاملات التي كانت سائدة في عصر المقايضة قبل عصر النقود, وهذه الشبهة مردودة بان المناقلة لا زالت موجودة تحتاج اليها المجتمعات حتى العصر الحاضر في ظل وجود النقود، والله اعلم.
--------------------------
المصدر الأصلي: مدونة الأستاذ الدكتور/ عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات
إرسال تعليق