مدة الكفالة (الضمانة) في القانون اليمني
مدة الكفالة (الضمانة) في القانون اليمني أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء مع أن الفقه الإسلامي والقانون اليمني يطلقا على الكفالة مصطلح (الكفالة) إلا أنه من الشائع في اليمن أن يطلق عليها مسمى (الضمانة) سيما الضمانة التجارية، والكفالة أو الضمانة هي: ضم ذمة مالية هي ذمة الكفيل إلى ذمة أخرى وهي ذمة الشخص المكفول عليه ،وبموجب هذه الكفالة يحق للمكفول له الرجوع على الكفيل أو المكفول عليه متضامنين أو منفردين، وعلى أساس هذا المفهوم المبسط للكفالة أو الضمانة فإن الكفالة تعني أن هناك تلازم بين الكفالة والحق محل الكفالة الذي كفل الكفيل الوفاء به، فلا تنتهي الكفالة إلا بالوفاء بذلك الحق أو إنقضائه، وهذا يعني أن الضمانة لا تتقيد بمدة معينة، ولذلك لم يقيدها القانون اليمني بمدة معينة، بيد أنه يجوز للكفيل أن يقيد كفالته أو يقصرها على وجه معين، اما إذا كانت صيغة الكفالة مطلقة غير مقيدة بمدة معينة أو وجه أو تصرف معين فإنها تكون مطلقة في مواجهة الكفيل غير مقيدة بمدة معينة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29-12-2013م في الطعن رقم (53697)، الذي ورد ضمن اسبابه: ((وعليه فإن الدائرة تتفق مع الشعبة بقولها في حيثيات حكمها أن محرر الكفالة الصادرة من المستأنف ضده وإن كانت على التزام المكفول عليه المترتب عن عقد الإيجار المبرم فيما بين المؤسسة والمكفول عليه إلا أن سياقه وفقاً لمضمون الكفالة يدل على إنصراف الكفالة إلى الأجرة وليس إلى مدة معينة أي مهما كان الإيجار قائماً بذمة المفكول عليه، فإن الكفيل ملتزم بدفع أية اجرة مستحقة وحالة بذمة المكفول عليه التي لم يقم بالوفاء بها، كما أن الدائرة تتفق مع ما جاء أيضاً في حيثيات الحكم الاستئنافي من أن بقاء أصل الكفالة مع المكفول له وإستلام الكفيل للإشعارات الموجهة إليه من المؤسسة المكفول لها والمتضمنة تمسك المؤسسة بالكفالة الخالية من تحفظ الكفيل أو التنويه من قبله بما يفيد إنقضاء كفالته لإنتهاء المدة فإنه قد دل على قبول الكفيل بإستمرار الكفالة، مما يكون معه هذا النعي غير منتج)) ،وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية: الوجه الأول: التلازم بين الكفالة (الضمانة) وبين الإلتزام المكفول عليه ومدة الكفالة: الضمانة أو الكفالة: هي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عليه لصالح المكفول له الذي يجوز له بموجب الكفالة أن يرجع على الكفيل والمكفول عليه معاً أو على كل منهما على حدة لإقتضاء الشيء محل الكفالة، ومن هذا التعريف المبسط للكفالة يظهر التلازم بين الكفالة أو الضمانة والشيء محل الكفالة الذي قد يكون أجرة حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا ،كما قد يكون مالاً آخر نقداً أو عيناً أو عملاً أو التزاماً، وعلى هذا الأساس فإن الكفالة تكون ملازمة للمال أو الإلتزام أو الدين الذي كفله الكفيل، فلا ينقضي أو ينتهي التزام الكفيل إلا بالوفاء بالشيء الذي كفله أو إنقضائه أو في الحالات المحددة في القانون، ومن هذا المنطلق فإن الكفالة غير مقيدة بمدة معينة وإنما متعلقة ومتلازمة مع الشيء الذي كفل الكفيل الوفاء به، ولذلك لم يحدد القانون المدني اليمني أو القانون التجاري مدة معينة للكفالة وإنما تركا ذلك للكفيل الذي يحق له أن يقيد الكفالة بمدة معينة، فإذا لم ينص الكفيل على تقييد الكفالة بمدة معينة فإن الكفالة تكون مطلقة من حيث مدتها ،وعندئذٍ تكون الكفالة ملازمة للدين أو الحق الذي كفله الكفيل. (فقه المعاملات المالية المعاصرة، أ.د.عبدالمؤمن شجاع الدين، ص231). الوجه الثاني: مفهوم الكفالة التجارية في القانون التجاري اليمني: عرّف القانون التجاري اليمني الكفالة التجارية في المادة (230) بأنها: (الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة بتنفيذ إلتزام وتنعقد بإيجاب وقبول من الكفيل والدائن)، وتكون الكفالة تجارية إذا كان الكفيل يضمن ديناً تجارياً، حسبما ورد في المادة (231) تجاري التي نصت على أن (تكون الكفالة تجارية إذا كان الكفيل يضمن ديناً تجارياً بالنسبة للمدين)، ووفقاً لهذا النص فإن مسمى (الضمانة التجارية) الذي تشترطه بعض الجهات ضمن مسوغات تعيين العمال والموظفين لا ينطبق هذا المسمى على مفهوم الضمانة التجارية المنصوص عليها في القانون التجاري اليمني، لأن الضمانة التجارية المنصوص عليها في القانون التجاري يكون محلها ديناً تجارياً متعلقا بذمة المدين ومحققا اي موجودا بالفعل ، والموظف أو العامل حينما يتقدم لوظيفة أو لعمل لا يكون مديناً بدين ، فالكفالة التجارية المقررة في القانون التجاري اليمني تتناول الدين التجاري الموجود بالفعل وليس الأضرار المدنية التي قد تلحق مستقبلاً بالجهات الإدارية أو جهات العمل، لأن هذه الأضرار المترتبة عن أفعال العمال أو الموظفين تندرج ضمن التعويض المدني، ولذلك تقوم بعض جهات العمل في اليمن التي تمتلك خبرات قانونية متمرسة بتضمين كفالة العمل أو الوظيفة النص المقرر في القانون المدني بشأن الضمانة المستقبلية حتى تستطيع الرجوع على الكفيل التجاري بموجب النص الوارد في القانون المدني لأن أحكام الكفالة التجارية المنصوص عليها في القانون التجاري لا تنطبق على ضمانة العمل أو الوظيفة حسبما سبق بيانه، حيث تطلب يعض جهات العمل في اليمن عند تشغيل العمال صدور الضمانة من تاجر فيكون اسمها ضمانة تجارية على اساس انها صادرة من تاجر على أن يتم تضمينها نص القانون المدني بشأن الضمانة المستقبلية الاتي ذكره، لأن الكفالة المستقبلية هي التي تحقق الغرض من الضمانة على أفعال العامل المستقبلية وهي المنصوص عليها في القانون المدني وليس القانون التجاري، فالضمانة أو الكفالة المستقبلية هي التي تضمن الأضرار التي قد تلحق بجهات العمل مستقبلاً بسبب أفعال وجنايات العمال في المستقبل، فالقانون المدني اليمني اجاز (الضمانة المستقبلية) حسبما ورد في المادة (1039) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن (تصح الكفالة بما سيثبت مستقبلاً، وللكفيل الرجوع فيما سيثبت بالمعاملة قبل ثبوته وإذا ثبت قبل الرجوع لزمت الكفالة)، وبسبب عدم تضمين مسمى(الضمانة التجارية) مفهوم الضمانة المستقبلية المنصوص عليه في القانون المدني فإن بعض القضاة يحجم عن الحكم بتنفيذ (الضمانة التجارية) لأن الكفالة التجارية لاتكون الا على دين تجاري محقق الوجود وليس مستقبليا. الوجه الثالث: حالات إنتهاء الكفالة التجارية حسبما هو مقرر في القانون التجاري: تنتهي الكفالة التجارية بقيام المدين المكفول عليه أو الكفيل أو غيرهما بالوفاء بالدين محل الكفالة، وكذا تنتهي الكفالة بإبراء المكفول له الدائن للمدين المكفول عليه، كما تنتهي الكفالة إذا لم يطالب الدائن المدين بالدين المكفول عليه رغم إخطار الكفيل للدائن بذلك، فإذا لم يطالب الدائن المدين خلال شهر من تاريخ الاخطار المشار اليه سقطت الكفالة، حسبما هو مقرر في المواد (244 و 248 و 249) من القانون التجاري، وعلى هذا الأساس فإن الكفالة التجارية لا تنتهي إلا في الحالات المحددة في القانون التجاري. الوجه الرابع: الأصل أن الكفالة أو الضمانة مطلقة: عرف القانون المدني الكفالة في المادة (1026) بأنها (ضم ذمة هي ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عليه للإستيثاق فيما كفل به وتتم بلفظها ونحوه ولا تتوقف على رضاء المكفول عليه)، وعرف القانون التجاري الكفالة في المادة (230) بأن: (الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة بتنفيذ إلتزام وتنعقد بإيجاب وقبول من الكفيل والدائن). والأصل في الضمانة أن تكون مطلقة تتضمن إلتزام الكفيل بالسداد للمبالغ التي بذمة المكفول عليه أو تنفيذ الإلتزام المحدد على المكفول عليه حيث تنصرف الكفالة إلى التزام الكفيل بالقيام بالإلتزام كاملاً الملقى على عاتق المكفول عليه بحسب شروط واوصاف الإلتزام المقرر على المكفول عليه وبحسب المدد المتفق عليها للسداد أو الوفاء فيما بين المكفول عليه والمكفول له، فهذا هو مفهوم ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عليه، لان الضمانة إلتزام تابع لالتزام المكفول عليه، ونخلص من هذا الوجه إلى القول: بأن الكفالة مطلقة وشاملة للإلتزام المقرر على المكفول عليه طالما إن الكفيل لم يشترط في كفالته أي شرط أو يقصر كفالته في حدود مبلغ معين او مدة معينة أو بعض الإلتزام اوبعض العمل المقرر على المكفول عليه، ومؤدى الكفالة المطلقة ان المكفول له أو الجهة المستفيدة من الضمانة يحق لها الرجوع على الكفيل مباشرة ومطالبته بالسداد والوفاء بكامل الإلتزام أو المبالغ التي بذمة المكفول عليه، وبحسب الأوصاف والشروط والمدد المتفق عليها فيما بين الكفيل والمكفول عليه، كما لو أن الضامن في السداد والوفاء هو المكفول عليه، فذلك هو معنى الكفالة :بأنها ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عليه، وقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن الأصل ان تكون الضمانة مطلقة حتى يرد الدليل على أنها مقيدة أو مشروطة . الوجه الخامس: الكفالة المقيدة أو المشروطة: هي الكفالة التي يشترط في وثيقة الضمانة يشترط الضامن أو الكفيل بعض الشروط أو القيود، ومن ذلك ان يشترط الكفيل ان تكون كفالته بحدود مبلغ معين أو لفترة معينة أو على عمل معين، ففي هذه الأحوال لا تضم ذمة الضامن إلى ذمة المكفول عليه إلا في حدود الشروط التي اشترطها الكفيل أو الضامن، والأولى أن يتم ذكر الشروط أو القيود التي ترد على الضمانة أو الكفالة في وثيقة الضمانة ذاتها ، وفي القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان الطاعن يجادل في ان ضمانته على المكفول عليه كانت معينة في أعمال معينة ومحددة بفترة معينة، إلا أن الحكم محل تعليقنا قضى بأن ضمانة أو كفالة الطاعن مطلقة لعدم وجود قيود أو شروط في وثيقة الكفالة أو أية وثيقة معدلة لوثيقة الكفالة أو الضمانة . الوجه السادس: مصير الضمانة بعد إنتهاء العمل محل الكفالة: كان جانب من النقاش في الحكم محل تعليقنا يدور بشأن مصير الكفالة أو الضمانة إذا انتهى العمل محل الكفالة أو انقطعت صلة العامل المكفول عليه بالعمل، والصحيح ان الكفالة لا تسقط بالنسبة للأعمال السابقة على إنتهاء العمل أو الفترة السابقة لإنتهاء عقد العامل، لأن الضامن بموجب الضمانة قد قبل بأنه يضمن العامل اثناء عمله، ولكن الضمانة لا تمتد إلى الأعمال الصادرة من المكفول عليه بعد إنتهاء عمله، غير أن الجهة المستفيدة من الضمانة أو الكفالة إذا منحت العامل وثيقة إخلاء طرف أو إخلاء مسئولية عن الفترة التي عمل فيها لديها فإن الضمانة على العامل تسقط مطلقاً للفترة السابقة على إنتهاء فترة عمله والفترة اللاحقة لذلك، لأن الضمانة تابعة لذمة العامل المكفول عليه فإذا قررت الجهة المستفيدة من الكفالة إخلاء طرف العامل فإن ذلك يؤدي حتما إلى إخلاء طرف الضامن تبعاً لذلك، لأن التزام الكفيل أو الضامن تابع لإلتزام المكفول عليه. الوجه السابع: الضمانة المستقبلية عن العامل وغيره: الضمانة المستقبلية هي عبارة:عن ضمان الكفيل للأعمال التي سوف تصدر عن المكفول عليه في المستقبل مثل الضمانة على العامل بأية مبالغ قد يختلسها أو يتلفها أو يبددها في المستقبل أو ضمان قيام المكفول عليه في المستقبل بأعمال معينة ، وقد اجاز القانون المدني صراحة هذه الضمانة، فقد نصت المادة (1039) على أنه (تصح الكفالة بما سيثبت مستقبلاً وللكفيل الرجوع فيما سيثبت بالمعاملة قبل ثبوته واذا ثبت قبل الرجوع لزمت الكفالة)، وقد ثار بشأن هذا النص جدل كثير بين اعضاء لجنتي تقنين أحكام الشريعة والعدل والأوقاف في البرلمان اليمني وامتد هذا الجدل خارج مجلس النواب في الاوساط الفقهية، لأن غالبية الفقه الإسلامي تمنع الكفالة في المستقبل لما يشوبها من الغرر المفضي إلى النزاع والتخاصم . اذ يشترط الفقهاء في المكفول به أن يكون دينا قائما لازما صحيحا ، وهذا شرط خاص بكفالة المال , وهو شرط متفق عليه في الجملة بين الفقهاء . فيصح ضمان كل دين لازم كالثمن وألاجرة وعوض القرض ودين السلم وأرش الجناية وغرامة المتلف ،لان الكفالة توثيق يستوفى منه الحق فصح في كل دين قائم ولازم فالكفال كالرهن. وقد ذهب الزيدية والحنفية والشافعية إلى عدم جواز ضمان ما لم يجب كجعل الجعالة لانه دين غير لازم ، فقد قال. الشيرازي في المهذب : ولا يصح ضمان ما لم يجب: وهو أن يقول: ما تداين فلان فأنا ضامن له، لانه وثيقة بحق لم يوجد بعد ، فلايسبق الكفال الحق كالشهادة لاتسبق الدعوى.(فقد المعاملات المالية،ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص230). الوجه الثامن: بقاء أصل وثيقة الضمانة لدى الجهة المستفيدة قرينة على أنها مازالت سارية المفعول: قضى الحكم محل تعليقنا بأن بقاء أصل وثيقة الضمانة لدى الجهة المستفيدة من الضمانة( المكفول له) قرينة على ان الضمانة لازالت سارية المفعول، فلو لم تكن كذلك لكان الضامن قد سحبها، غير ان هذه القرينة قابلة لإثبات العكس، فيجوز إثبات انتهاء الضمانة بمنح الجهة المستفيدة العامل المكفول عليه إخلاء طرف أو تقديم الكفيل وثيقة صادرة من الجهة المستفيدة من الضمانة بأنها قد تنازلت عن الضمانة أو محضر إتفاق بين الجهة المستفيدة والضامن يقرر إنهاء الضمانة، وغير ذلك من الأدلة التي تشهد على ان بقاء أصل وثيقة الضمانة لدى الجهة المستفيدة لايدل على أنها مازالت نافذة. الوجه التاسع: قرينة عدم اعتراض الضامن على اشعارات الجهة المستفيدة بالوفاء بموجب الضمانة: قضى الحكم محل تعليقنا بأن إستلام الضامن للاشعارات الصادرة من الجهة المستفيدة بتنفيذ ضمانته، وعدم اعتراض الضامن على هذه الاشعارات قرينة على بقاء الضمانة ونفاذها، لان سكوت الضامن في هذه الحالة قرينة على بقاء ضمانته ونفاذها والا لقام الضامن بالاعتراض على تلك الاشعارات والإفادة بانتهاء ضمانته، والله اعلم. مدة الكفالة (الضمانة) في القانون اليمني مشاركة التصنيف: التعليق على أحكام المحكمة العليا تعليقات
--------------------------
المصدر الأصلي: مدونة الأستاذ الدكتور/ عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات
إرسال تعليق