تخيير المحضون قبل إنقضاء سن الحضانة في القانون اليمني

تخيير المحضون قبل إنقضاء سن الحضانة أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء. حدد قانون الاحوال الشخصية اليمني سن الحضانة للطفل بتسع سنوات وللطفلة باثنتي عشرة سنة ، والغرض من الحضانة هو القيام بأمر الصغير والمحافظة عليه حتى يتمكن من القيام بأمره بنفسه من غير مساعدة الاخرين ، ولذلك عندما يستطيع الطفل المحضون القيام بأمره بنفسه والإستغناء عن مساعدة الحاضنة له ، فيكون قادراً على إطعام نفسه وتنظيف نفسه وملابسه ومعرفة الضار والنافع والمخاطر ، فحينئذٍ يحق للقاضي أن يقوم بتخيير الطفل بين ابيه وأمه ولو لم تكن سن الحضانة قد انقضت (9سنوات/12سنة) فينتقل الطفل بموجب إختياره إلى أي من ابويه المنفصلين كي يحظى الطفل برعاية وعناية من يختار أن يرعاه دون إخلال بحق الطرف الآخر في رؤية ابنه او ابنته، فالحضانة مقررة في الشرع والقانون لمصلحة الصغير والقاضي له السلطة التقديرية في تقدير الاصلح للصغير، فالقاضي غير متقيد بسن الحضانة المقررة في القانون طالما انه قد ثبت للقاضي ان الصغير قد صار قادرا على القيام بأمر نفسه ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24-1-2012م في الطعن رقم (48280)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه: (وحيث أن المادة (148) أحوال شخصية قد حسمت الخلاف في مثل هذه الحالة بنصها على إنه (متى استغنى بنفسه الولد ذكراً أو انثى خير بين أبيه وأمه عند إختلافهما مع وجود المصلحة...)، وحيث أن موجبات هذا النص تنطبق على الحالة المعروضة على المحكمة ، على إعتبار أن بلوغ الطفلة حين رفع الدعوى ثماني سنوات يجعلها تستغنى بنفسها ، حيث يمكنها تناول طعامها ولبس ثيابها ونحوه بنفسها دون مساعدة من أحد، كما أن الخلاف بين الابوين محتدم بشأن حضانتها ، لذلك تم تخيير الطفلة فاختارت العيش في كنف ابيها ،وإن هذا الإختيار فيه مصلحتها لما ذكرته الطفلة أمام الشعبة حيث افادت : بأن البيت الذي تقيم فيه امها المطلقة مزدحم ، حيث تقيم أمها مع اخوالها وزوجاتهم وأولادهم ، كما أن منزل ابيها بالقرب من المنزل الذي تقيم فيه أمها ، ولذلك تستطيع رؤية أمها ورؤية أمها لها متى شاءت)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (فقد ناقشت الدائرة أسباب الطعن التي ذكرتها الطاعنة بشأن احقيتها في حضانة ابنتها، وتلك الأسباب ماهي إلا مسائل متعلقة بوقائع النزاع ولا تتوفر فيها أية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (292) مرافعات، وقد سبق أن ناقشت محكمة الاستئناف تلك الوقائع في حكمها، ومن خلال ذلك توصلت إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون، فلا يوجد في أسباب الطعن ما يؤثر على الحكم الاستئنافي، مما يستوجب رفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية: الوجه الأول: ماهية الحضانة والغرض منها وسن الحضانة: عرّفت المادة (138) من قانون الأحوال الشخصية اليمني عرفت الحضانة بأن (الحضانة: هي حفظ الصغير الذي لا يستقل بأمر نفسه وتربيته ووقايته مما يهلكه او يضره بما لا يتعارض مع حق وليه، وهي حق للصغير فلا يجوز التنازل عنها وأنما تمتنع بموانعها وتعود بزوالها)، فمن خلال مطالعة هذا النص يظهر أن الغرض من الحضانة حفظ الصغير غير القادر عن القيام بنفسه أي الذي لا يستطيع الأكل او اللبس وقضاء حوائجه إلا بمساعدة غيره ، وكذا حفظ الصغير الذي لا يعرف الأضرار والمخاطر التي تحيط به، وعلى هذا المعنى فإن حضانة الصغير تستمر حتى يستطيع الصغير القيام بأمره من نفسه وحتى يدرك ماهية الأخطار التي قد يتعرض لها، وقد اشارت المادة (148) أحوال شخصية إلى أن الحضانة لا تنتهي إلا إذا صار الصغير المحضون قادراً على القيام بأمره ، فإذا تنازع الاب والام المنفصلان بشأن حضانة صغيرهما فيتم تخيير الصغير المحضون، فلاتخيير الا إذا تنازع الاب والام فقط دون غيرهما من الحاضنين ، فقد نصت المادة (148) على إنه (متى استغنى بنفسه الولد ذكراً أو انثى خير بين أبيه وأمه عند إختلافهما مع وجود المصلحة، وإذا اختلف من لهم الكفالة غير الأب والأم اختار القاضي من فيه المصلحة للولد بعد إستطلاع رأيه). اما سن الحضانة فقد حددتها المادة (139) أحوال شخصية التي نصت على أن (مدة الحضانة تسع سنوات للذكر واثنا عشرة للأنثى مالم يقدر القاضي خلافه لمصلحة المحضون مع مراعاة أحكام المادة (148)، وقد سبق أن ذكرنا مضمون نص المادة (148) أحوال شخصية. ومن خلال إستقراء نص المادة (139) التي حددت سن الحضانة للذكر والأنثى يظهر أن القاضي غير متقيد بسن الحضانة المقررة في ذلك النص، لأن النص ذاته قد منح القاضي السلطة التقديرية بحسب مصلحة المحضون التي قد تقتضي أن يمدد القاضي سن الحضانة او يقتصرها بحسب مقتضيات مصلحة الصغير المحضون، ولذلك فقد لاحظنا في الحكم محل تعليقنا أن القاضي قد قام بتخيير الصغيرة البالغة ثماني سنوات مع أن سن حضانتها في القانون هي اثنتا عشرة سنة إلا أن القاضي قدر أن مصلحتها تقتضي إنتهاء حضانتها ، لأنها قد صارت مستغنية بنفسها ، ، ولذلك فقد اجتازت الصغيرة مدة الحضانة ، مع أنها لم تكن قد بلغت سن اثنتي عشرة سنة المحددة في القانون، ومؤدى ذلك أن القاضي غير متقيد بسن الحضانة المقررة في المادة (139) أحوال شخصية السابق ذكرها طالما ان مصلحة الصغير تقتضي خلاف ذلك. الوجه الثاني: تخيير المحضون إذا استغنى بنفسه: إذا استغنى الصغير المحضون بنفسه فصار قادراً على القيام بامر نفسه بنفسه فإن ذلك يعني إنتهاء الحضانة وبدء مرحلة الكفالة، ومعنى ذلك أن الصغير قد صارت لديه القدرة البدنية والذهنية المناسبة للتعبير عن رغبته فيمن يقوم بكفالته بعد إجتازه فترة الحضانة ، وتطبيقاً لذلك إذا اختلف الأب والأم المنفصلان على كفالة الصغير فإن القاضي يقوم بتخيير الصغير فيمن يقوم بكفالته بين أمه أو أبيه ، فلا تخيير إلا في حالة خلاف الأب مع الأم على كفالة الصغير، ومع هذا وذاك فإن إختيار الصغير يكون غير ملزماً للقاضي، فلا يتقيد القاضي بنتيجة إختيار الصغير، فللقاضي السلطة التقديرية اللازمة في ضوء مصلحة الصغير، فللقاضي أن يحكم بخلاف رغبة الصغير، لأن القاضي هو المخوّل قانوناً بتقدير مصلحة الصغير، فالقاضي يستأنس برغبة الصغير ولكنه لا يتقيد بها، وهذا الأمر ظاهر في المادة (148) أحوال شخصية التي نصت على إنه (متى استغنى بنفسه الولد ذكراً أو انثى خير بين أبيه وأمه عند إختلافهما مع وجود المصلحة، وإذا اختلف من لهم الكفالة غير الأب والأم اختار القاضي من فيه المصلحة للولد بعد إستطلاع رأيه). الوجه الثالث: وجوب قيام القاضي بتخيير الصغير رغم أن رأي الصغير غير ملزم للقاضي: سبق القول أن القاضي غير ملزم قانوناً بخيار الصغير وإنه يحق للقاضي أن يحكم على خلاف رأي او إختيار الصغير، غير إنه يجب على القاضي أن يقوم بتخيير الصغير إذا استغنى بنفسه وتنازع الأب والام على كفالته اما إذا لم يتنازع الأب والام فلا تخيير ، لأن ذلك يعني توافق الأب والام بشان كفالة الصغير، كذلك لا مجال لتخيير الصغير إذا حدث النزاع بشأن كفالة الصغير بين غير الأب والام ، فللقاضي أن يلحق الصغير بكفالة من يراه أصلح للصغير ، بحسب السلطة التقديرية للقاضي، والله اعلم.


--------------------------

المصدر الأصلي: مدونة الأستاذ الدكتور/ عبدالمؤمن شجاع الدين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جريمة خيانة الامانة في القانون اليمني

قــرار جمهوري بقانون رقم (14) لسنة 2002م بشــأن قانون مدني

إستئناف قرارات النيابة العامة