منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق في القانون اليمني
منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق في القانون اليمني
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق يجب أن تكون متعلقة بالوفاء بالحق.،وذلك بعد صدور السند التنفيذي الذي قضى بالحق، حسبما ورد في نهاية المادة (499) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على أنه (اما منازعات التنفيذ الموضوعية وهي المتعلقة بالوفاء بالحق بعد صدور السند التنفيذي الذي قرره فترفع أمام قاضي التنفيذ بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى)، فمنازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق يجب ان تكون متعلقة بالحق الذي قضى به الحكم سند التنفيذ، وينبغي أن يكون موضوعها الوفاء بالحق الذي قضى به الحكم السند التنفيذي، فمنازعة التنفيذ الموضوعية ينبغي أن تكون في هذه الحالة متصلة ومتعلقة بالحق المحكوم به في الحكم سند التنفيذ الذي يجري تنفيذه. فإذا لم تكن المنازعة كذلك فإنها لا تكون منازعة تنفيذ موضوعية متعلقة بالوفاء بالحق وإنما تكون دعوى جديدة ينبغي رفعها أمام قاضي الموضوع المختص وليس أمام قاضي التنفيذ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11-10-2010م في الطعن رقم (42282)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((والملاحظ أن قانون المرافعات اشترط في المادة (499) أن تكون المنازعة الموضوعية متعلقة بالوفاء بالحق بعد صدور السند التنفيذي الذي قرره) ولكن الخصومة الجديدة المقدمة من الطاعن لا تندرج تحت هذه الحالة مما يقودنا إلى القول: بأن ما توصل إليه الحكم المطعون فيه وافق صحيح القانون))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق :
المنازعة الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق :هي منازعة موضوعية يدعي فيها المنفذ ضده الوفاء بالحق المحكوم اوإنقضاء الحق الذي قضى به الحكم السند التنفيذي، إذ أن موضوع هذه الدعوى أن المنفذ ضده يدعي بأنه قد تم الوفاء بالحق المحكوم به بموجب الحكم السند التنفيذي، ويقوم المدعي برفع هذه الدعوى أمام قاضي التنفيذ الذي يتولى التنفيذ الجبري للحكم السند التنفيذي، ويهدف المدعي في هذه الدعوى أو المنازعة انهاء إجراءات التنفيذ الجبري التي يباشرها قاضي التنفيذ بموجب الحكم سند التنفيذ، لانه لم يعد للتنفيذ الجبري للحكم موجب بعد الوفاء بالحق أو إنقضاء الحق المحكوم به أو سبق تنفيذ الحكم.
الوجه الثاني: قاضي التنفيذ هو المختص بنظر منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق :
يتم رفع منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق أمام قاضي التنفيذ الذي يتولى ويباشر إجراءات التنفيذ الجبري للحكم السند التنفيذي في مواجهة الخصم المدعي الذي يرفع المنازعة الموضوعية، ويتم رفع منازعة التنفيذ أمام قاضي التنفيذ، لأن من شروط هذه المنازعة أن يتم رفعها أثناء التنفيذ الجبري، فالهدف من هذه المنازعة الحيلولة دون تنفيذ الحكم السند التنفيذي طالما أن المدعي في المنازعة الموضوعية قد اثبت أنه قد تم الوفاء بالحق المحكوم به في الحكم السند التنفيذي.
الوجه الثالث: إجراءات رفع منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق والنظر فيها:
حقيقة منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق أنها دعوى موضوعية تتضمن إدعاء المنفذ ضده بأنه قد تم الوفاء بالحق المحكوم به بموجب الحكم السند التنفيذي وأنه قد تم الوفاء بعد صدور الحكم السند التنفيذي، وبما أن منازعة التنفيذ الموضوعية هي دعوى موضوعية، لذلك فأنه يتم رفعها بالطريقة المقررة في القانون لرفع الدعاوى الموضوعية غير أنه يتم رفعها أمام قاضي التنفيذ وليس قاضي الموضوع، ويجب أن تتوفر في هذه المنازعة شروط الدعوى سيما الصفة والمصلحة، وكذا ينبغي أن تتوفر في هذه المنازعة البيانات المقررة في المادة (104) من قانون المرافعات اليمني، ويجب على المدعي في هذه الدعوى أو المنازعة أن يرفق بالدعوى الأدلة المؤيدة لدعواه بالوفاء بالحق المحكوم به بعد صدور الحكم السند التنفيذي.
ومع أن هذه الدعوى أو المنازعة يتم رفعها أمام قاضي التنفيذ إلا أن قاضي التنفيذ ينظر منازعة التنفيذ الموضوعية وفقاً للإجراءات المقررة في القانون لنظر الدعاوى الموضوعية بإعتبار هذه المنازعة دعوى موضوعية حسبما تقدم بيانه.
فمع أن منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق من ضمن منازعات التنفيذ وفقا للقانون بيد أن قاضي التنفيذ ينظرها وفقا للإجراءات القانونية المحددة لنظر الدعاوى الموضوعية، ويكون للحكم الصادر فيها الحجية القانونية ذاتها المقررة للأحكام الصادرة في الدعاوى الموضوعية.
الوجه الرابع: شروط منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق :
وفقاً للمادة (499) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على أن (ترفع منازعات التنفيذ الوقتية وتنظر بإجراءات القضاء المستعجل و لايجوز قبول منازعات التنفيذ الوقتية بعد تمام التنفيذ، اما منازعات التنفيذ الموضوعية وهي المتعلقة بالوفاء بالحق بعد صدور السند التنفيذي الذي قرره فترفع أمام قاضي التنفيذ بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى )، ووفقا لهذا النص فأنه يشترط في منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق ما يأتي:
الشرط الأول: أن تتعلق منازعة التنفيذ الموضوعية بأصل الحق الذي فصل فيه الحكم سند التنفيذ أو الحق المحكوم به، إذ يدعي المنفذ ضده في هذه المنازعة بأنه قد تم الوفاء بالحق المحكوم به أو أنه قد تم تنفيذ الحكم اختيارا أو أنه قد تم التصالح مع المحكوم له وتنازل المحكوم له عن الحق المحكوم به كله أو بعضه، ولذلك فأنه لم يعد هناك موجب لتنفيذ الحكم ضده، لأنه قد تم الوفاء بالحق المحكوم به.
الشرط الثاني: أن يدعي المدعي في هذه المنازعة بأنه قد قام بالوفاء بالحق المحكوم به بعد صدور الحكم السند التنفيذي، اما إذا ادعى بأنه قد قام بالوفاء بأصل الحق أو الحق المحكوم به قبل صدور الحكم السند التنفيذي فأن المنازعة في هذه الحالة تكون غير مقبولة، لأن ذلك يعني أنه ينازع في أصل الحق الذي قضى به الحكم السند التنفيذي، والمنازعة في أصل الحق من حيث ثبوته أو وجوده غير مقبولة في المنازعات التنفيذية بما فيها منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق، فمحل هذه المنازعة هو إنقضاء الحق أو الوفاء به بعد الحكم به وليس قبل ذلك .
الشرط الثالث: يشترط في هذه المنازعة أن يتم رفعها أثناء التنفيذ الجبري حتى تكون منازعة تنفيذ، إذ أن المنازع يهدف من وراء هذه المنازعة إنهاء إجراءات التنفيذ الجبري لانتهاء الحق المحكوم به بموجب السند التنفيذي أو إنقضاء ذلك الحق بالوفاء .
الشرط الرابع: أن يتم تقديم هذه المنازعة أمام قاضي التنفيذ الذي يباشر إجراءات التنفيذ الجبري للحكم السند التنفيذي في مواجهة المنازع، اما إذا قام المنفذ ضده برفعها أمام قاضي الموضوع فلاتكون منازعة تنفيذ.
الوجه الخامس: خصوصية منازعة التنفيذ المتعلقة بالوفاء بالحق:
مع إن منازعة التنفيذ الموضوعية المتعلقة بالوفاء بالحق من ضمن منازعات التنفيذ الموضوعية، إلا أنه من خلال ماتقدم عرضه في الأوجه السابقة يظهر أن لهذه المنازعة خصوصيتها، وتظهر الخصوصية بجلاء تام حينما نعرض بإيجاز بعض ملامح منازعات التنفيذ الموضوعية بصفة عامة.
فمنازعات التنفيذ الوقتية والموضوعية تتمثل في المطالبة في حماية الحقوق المكتسبة، والتي تخرج عن الأشياء محل التنفيذ، لذلك كانت المطالبات بوقف التنفيذ أو إرجائه تختلف في مضمونها بين المساس باصل الحق أو الحقوق المكسبة أثناء وبعد التنفيذ .
اما المقصود بالمنازعة الموضوعية في التنفيذ؛ فهي تلك التي يطلب فيها الحكم بإجراء يحسم النزاع في أصل الحق، في حين أن المنازعة الوقتية هي التي يطلب فيها الحكم بإجراء وقتي لا يمس أصل الحق، والعبرة في ذلك بأخر طلبات الخصوم أمام محكمة أول درجة.
والتفرقة بين المنازعة الوقتية والموضوعية له أهمية في بيان المحكمة المختصة بنظره، حيث أن المنازعة الوقتية في التنفيذ يرفع الأمر بشأنها إلى قاضي التنفيذ باعتباره قاضيًا للأمور الوقتية أو المستعجلة ليأمر باتخاذ الإجراء الوقتي الذي يتناسب مع الطلب المطروح عليه لحين الفصل في موضوع النزاع.
أما المنازعة الموضوعية فيرفع بشأنها الأمر إلى قاضي التنفيذ بصفته قاضي موضوع، فينظر قاضي التنفيذ في المنازعة الموضوعية في أصل النزاع المتعلق بتنفيذ الحكم ذلك لحسم النزاع وما يتعلق به من منازعات تنفيذ.
فعلى سبيل المثال فإن المنازعة فى إعلان السند التنفيذي مما يبطل مقدمات التنفيذ كان له أن يبين إما؛ أن يطلب وقف التنفيذ لتصحيح البطلان مؤقتًا وبالتالي تكون منازعة وقتية أو يطلب بصفة موضوعية بطلان السند التنفيذي وبطلان الإجراءات اللاحقة عليه كالحجز طبقًا لقانون المرافعات، ويختص قاضي التنفيذ دون غيره بنظر كافة المنازعات الوقتية والموضوعية طبقًا لقانون المرافعات.(التفرقة بين منازعة التنفيذ الوقتية والموضوعية، د. وليد محمد وهبة،ص 1).
وإذا كان القانون قد خوًّل الدائن الحق في إجراء التنفيذ الجبري بمجرد حصوله على سند تنفيذي، إلا أنه ارتأى أن يفرض رقابة على ممارسة هذا الحق من خلال المنازعة في التنفيذ والتأكد من توافر شروط إجراء التنفيذ الجبري، سواء من ناحية السند التنفيذي أو الحق الذي يتم التنفيذ اقتضاءً له أو المال محل التنفيذ أو أطراف التنفيذ ومقدمات التنفيذ وإجراءاته، فإذا تخلف شرط من هذه الشروط أو تمت مخالفة القانون في أي أمر من تلك الأمور، أمكن للمنفذ ضده أن يتمسك بعدم صحة التنفيذ أو بعدم عدالته، كما يجوز له أن يطالب بوقف إجراءات التنفيذ.
وتحظى منازعات التنفيذ سواء كانت موضوعية أو وقتية بأهمية بالغة وذلك نظرًا لخطورة الآثار التي قد تترتب عليها، فرغم أهميتها في وقف أو إبطال التنفيذ المخالف للقانون إلا أن عدم الإلمام بالأسباب التي يمكن أن تستند إليها تلك المنازعات نتج عنه فقدانها لغايتها وعدم تحقيق الأهداف التي وُضعت من أجله من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن استخدامها بسوء نيةٍ نتج عنه عرقلة تنفيذ الأحكام القضائية.
ويتعين لكي تكون المنازعة متعلقة بالتنفيذ – وفقًا لقانون المرافعات – أن يكون التنفيذ جبرياً وأن تكون المنازعة متعلقة بالتنفيذ أو مؤثره في سير إجراءاته، أما المنازعات التي لا تمس إجراء من إجراءات التنفيذ أو سيره أو جريانه فلا تعتبر منازعة في التنفيذ، وبالتالي لا تدخل ضمن اختصاص قاضي التنفيذ.
وقاضي التنفيذ هو صاحب الولاية العامة بنظر منازعات التنفيذ بنوعيها لكونه المختص بها نوعيًا وفقًا لقانون المرافعات- الذي عقد لقاضي التنفيذ الاختصاص بنظرها دون غيره – حيث تعتبر تلك المنازعات وسيلة يمنحها القانون لأطراف خصومة التنفيذ وللغير وذلك لتمكينهم من عرض ادعاءاتهم أمام القضاء ممثلًا في قاضي التنفيذ، وذلك إذا شاب أركان التنفيذ أو مقدماته أو إجراءاته عيوب تؤثر في سلامته، وذلك بقصد منع أو وقف أو إبطال التنفيذ الذي لا يتفق مع القانون.
وإذا كان القانون قد أناط بقاضي التنفيذ سلطة الفصل في منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية دون المساس بأصل الحق موضوع النزاع، وعدم تجريح الحكم الذي يتم التنفيذ بمقتضاه، وكانت تلك المنازعات هي ملاذ المنفذ ضده من التنفيذ الغير متفق مع القانون، فإن أعمال مقتضى ذلك تحديد الأسباب التي يمكن الاستناد إليها وتأسيس المنازعة عليها وتمييزها عن غيرها التي تمس موضوع النزاع.
فالأسباب التي يجوز استناد المنازعة إليها ليست قاصرة على الأسباب اللاحقة لصدور الحكم والأسباب الشكلية فقط كما هو راسخ في عقيدة القضاة والمتقاضين,، فالمنازعة قد تستند إلى أسباب موضوعية أو أسباب شكلية, ولكن المرجع هنا هو المساس بأصل الحق موضوع النزاع من عدمه, فالمنازعة في التنفيذ لا تكون مقبولة إذا كانت تستند أسباب شكلية ولكنها تمس أصل الحق, وفي المقابل فإنها تكون مقبولة إذا كانت تستند إلى أسباب موضوعية ولكنها لا تمس أصل الحق أو حجية الحكم الذي يتم التنفيذ بموجبه.
فالواقع العملي الذي تؤكده الأحكام القضائية يشهد بأن هناك عزوف من قبل قضاه التنفيذ عن قبول منازعات التنفيذ الموضوعية أو الوقتية, وهذا العزوف مرجعه الخلط بين تأسيس المنازعة على أسس موضوعية وبين مبدأ عدم المساس بأصل الحق, وهو الأمر الذي قد يترتب عليه رفض تلك المنازعات رغم قانونية السبب الذي تستند إليه, ومن ثمًّ تضحى الحماية التي قررها القانون من خلال تلك المنازعات عديمة الجدوى. (منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية بين النظرية والتطبيق، هاني عبد المولى، ص2)، والله اعلم.
تعليقات
إرسال تعليق