حصر وإثبات ديون المؤرث في القانون اليمني
حصر وإثبات ديون المورث في القانون اليمني
أ.د. عبد المومن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
حصر وإثبات ديون المورث في القانون اليمني
من أهم الإشكاليات المصاحبة لقسمة التركات إشكالية حصر ديون المورث وإثباتها بعد التحقق من صحتها وإخراجها من راس التركة قبل قسمتها لعدم عناية غالبية بتدوين الديون التي بذمتهم للغير أثناء حياتهم، إضافة الى انه في حالات كثيرة لاتكون هذه الديون ثابتة كتابة وكذا إختلاف الورثة بشان وجود هذه الديون والأهم من هذا وذلك ضعف الوازع الديني وجرأة الأحياء على الاموات وإدعائهم بديون بذمة الموتى ، ولذلك لا تقبل سندات الدين المحررة بعد وفاة المورث أو تلك المحررة بغير خط المورث ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 31/1/2012م، في الطعن رقم : (43840) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى: (بعدم قبول كشف الديون التي بذمة المورث لانه تم تحريره بعد سنتين من تاريخ وفاة المورث، وعدم صحة سندات الدين التي ليست بخط المورث وانما بخط الورثة المطالبين بها)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وبعد المطالعة والتامل وإمعان النظر فقد وجدت الدائرة ان الحكم الإستئنافي جاء موافقا للشرع والقانون فيما استند اليه ولاورود لاسباب الطعن عليه ، لان محكمة الإستئناف قد ناقشت تلك الاسباب، مما يستوجب رفض الطعن) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: المقصود بديون المورث:
ديون المورث هي الديون التي تكون بذمة المورث لغيره وكذا الديون التي تكون بذمة الغير للمورث ،والتي يموت المورث قبل ان يؤديها أو يقتضيها .
وتتعلق هذه الديون بالتركة التي تنتقل بعد تحقق موت المورث الى ورثته بكافة حقوقها وديونها وكافة الالتزامات القائمة عليها.
الوجه الثاني: تعيين الوارث الذي يتولى متابعة سداد ديون المورث من الغير وتحصيل الديون المستحقة للوارث (مدير التركة الشائعة):
الغالب هو تعدد الورثة الذين يملكوا التركة بعد وفاة مورثهم يملكوها على الشيوع قبل قسمتها ، فلايستطيعوا إدارة التركة الشائعة قبل قسمتها الا عن طريق ممثل لهم ،ولذلك فانه من اللازم لغرض تنظيم وترتيب ومتابعة سداد ديون المورث وتسويتها مع دائني المورث وكذا متابعة مديني المورث وتحصيل الديون منهم والادارة والاشراف والمتابعة لشئون التركة .
لذلك كله فانه بتعين وجوبا تحديد احد الورثة او غيرهم للاضطلاع بهذه المهمة ، وفي بعض الاحيان يقوم المورث نفسه أثناء حياته بتحديد الشخص الذي سيتولى هذه المهمة بعد وفاة المورث وذلك بوصية صادرة من المورث تكون نافذة بعد وفاته، فان لم يوص المورث فينبغي على الورثة بعد وفاة مورثهم ان يحددوا من يقوم بهذه المهمة، فان يقم الورثة نتيجة خلافهم فان المحكمة تقوم بتعيين من يقوم بذلك ، وفي هذا المعنى نصت المادة (265)احوال شخصية يمني على انه :(إذا مات المورث عن ورثة بالغين دون ان يوصي الى احد ،وعليه ديون وله حقوق فعند إختلاف الورثة تعين المحكمة من بينهم من يقوم بهذه الواجبات ، واذا قبض احد الورثة شيئا فليس له ان يستبد به ولو بقدر نصيبه في التركة واذا اشترى الوارث بمال من التركة وطلب الورثة إشتراكهم فيه كل بقدر نصيبه أجيبوا الى ذلك والا كان لهم الرجوع بعين مالهم).
الوجه الثالث: حصر الورثة لديون مورثهم وأثباتها وتصنيفها:
كانت هذه المسالة هي محل النقاش في الحكم محل تعليقنا، وتكتسب عملية حصر الديون التي على المورث للغير وكذا الديون المستحقة للمورث لدى الغير تكتسب هذه العملية اهمية بالغة في تحديد اموال التركة المطلوب قسمتها وكذا تحديد وقت القسمة الذي يتحدد في ضوء نتائج حصر ماللمورث وماعليه من ديون وتاريخ استحقاقها.
ولذلك ينبغي أن تكون عملية حصر ديون المورث في صدارة إهتمام الورثة ثم القسام ، إذا يجب ان يقوم مدير التركة أو وكيل الورثة بالتحري والبحث عن ديون المورث .
ومن المصادر التي يتم الاعتماد عليها في عملية الحصر المستندات الخاصة بالمورث كالوصية الاخيرة وغيرها من المستندات فكثير من الاشخاص يقوم اثناء حياته بتدوين وكتابة كل ما له وما عليه من ديون وحقوق والتزامات في مستندات بخطه أو مطبوعة أو بخط الغير ويقوم بالتوقيع عليها ، كما يحتفظ المورث اثناء حياته بالمستندات او المحررات الصادرة من الغير التي تثبت ديونه وحقوقه لدى الغير ، وبالمقابل فان دائني المورث يحتفظوا بالمحررات الصادرة من المورث اثناء حياته التي تثبت الديون والحقوق التي بذمة المورث اثناء حياته كذلك تكون هناك مطالبات بالديون سواء المطالبات الودية أو القضائية ، وغير من المصادر التي يتم الاعتماد عليها في حصر وتحديد ما للمورث وما عليه .
بيد انه ينبغي بعد حصر ما للمورث وما عليه ينبغي تصنيف الديون الى ديون ثابنة غير متنازع بشانها قابلة للتحصيل أو الاداء فوراً مدينة ثابتة متنازع بشانها غير قابلة للتحصيل أو الدفع وديون غير ثابتة تحتاج إلى البحت عن وسائل لإثباتها ، وكذا تصنيف الديون الى ديون للمورث لدى ورثته والعكس وكذا تصنيف الديون من حيث تاريخ إستحقاقها.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني ،ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص242).
الوجه الرابع: حقوق المورث التي تنتقل الى ورثته بعد موته:
بعد تحقق وفاة المورث تصير امواله تركة بكل حقوقها والتزاماتها ،فتنتقل الى ورثته بمافي ذلك الديون التي بذمة المورث للغير أو تلك التي بذمة الغير للمورث، ولذلك يطلق على الوارث الخلف العام لمورثه.
فعندما يتوفى المورث تنتهي شخصيته القانونية، وبالتالي تنتهي ملكيته لأمواله وممتلكاته، وتنتقل إلى ورثته، بحيث يخلف شخص الوارث شخص المورث في ماله خلافة عامة إجبارية، أي خلافة يتحقق فيها الإرث دائمًا في كامل التركة أو في حصة منها بقوة الشرع والقانون، من دون أي تأثير لإرادة المورث أو إرادة الوارث في ذلك. والتركة هي مجموع ما يتركه الإنسان بعد أن يتوفاه الله، من مال أو حقوق مالية، مما يعني أن التركة هي الذمة المالية بعناصرها الايجابية والسلبية.
ويعتبر الإرث سببًا لاكتساب الورثة ملكية جميع أموال المورث، بحيث تنتقل اليهم جميع الحقوق المالية التي كانت له، سواء كانت حقوقًا شخصية مادية أو معنوية أو حقوقًا عينية. ويعتبر الوارث مالكًا للعقرات قبل التسجيل في السجل العقاري، كما أن عدم تسجيل اكتساب ملكية العقار الموروث في السجل العقاري لا يحول دون انتقال الحق الموروث الى الوارث، بحيث تنتقل أموال التركة إلى ذمة الوارث فور وفاة المورث من دون الحاجة إلى أي إجراء آخر ليتم هذا الانتقال. ولكن الوارث لا يمكنه التصرف بالعقارات المكتسبة بطريقة الوراثة، إلا بعد التسجيل في السجل العقاري.
فالوارث يحل محل مورثه في أموال التركة التي ٱلت اليه بكافة حقوقها والإلتزامات القائمة عليها ، فيقوم الوارث مقام مورثه في الحقوق والإلتزامات القائمة على التركة ويخلفه عليها، ومثل الوارث الموصى له بجزء من مجموع الحقوق، فإن نظرية الخلافة تتسع له كما اتسعت للوارث، إذ أن كليهما يخلف الميت في مجموع الحقوق لا في حق معين بالذات.
والحقوق التي تنتقل إلى الوارث هي الحقوق المالية، فتنتقل إليه ملكية أعيان التركة، والحقوق العينية الأصلية الأخرى التي للمورث إلا ما كان منها ينقضي بالموت كحق الانتفاع، والحقوق العينية التبعية كحق الرهن وحق الاختصاص وحقوق الامتياز.
أما الحقوق غير المالية، أو الحقوق المالية المتصلة بشخص المورث، وما اتصل بمشيئة المورث لا بماله، فإن شيئاً من هذا الأموال لا ينتقل إلى الوارث، لأن طبيعة الحق تستعصى على هذا الانتقال، وتأبى إلا بقاء الحق مع صاحبه الأصلي وزواله بموته، ومثل الحقوق غير المالية حق الحضانة وحق الولاية على النفس وحق الولاية على المال، فهذه كلها لا تنتقل إلى الوارث لأنها حقوق غير مالية، ومثل الحقوق المالية المتصلة بشخص المورث الحق في النفقة سواء كان الدائن بها زوجة أو قريباً، فلا ينتقل هذا الحق إلى الوارث بعد موت الدائن بالنفقة، وذلك ما لم يأذن القاضي للدائن بالاستدانة ويستدن فعلاً ، كذلك حق الرجوع في الهبة حين يجوز الرجوع حق متصل بشخص الواهب، فلا ينتقل منه إلى وارثه، بل يسقط بموته، وقد أكدت هذا المعنى المادة ( 197 )احوال شخصية يمني حين جعلت من موانع الرجوع في الهبة موت أحد طرفي العقد، الواهب أو الموهوب له.
الوجه الخامس: إنتقال ديون المورث الاجلة والتي حل اجلها:
في هذا الشان نصت المادة (401)مدني يمني على انه :(من حل محل المدين شرعا او اتفاقا كان له حقه بما لهذا الحق من خصائص وما يلحقه من توابع وما يكلفه من نامينات ومايرد عليه من دفوع ويكون هذا الحلول بالقدر الذي اداه من حل محل الدائن).
ومن المسلم ان الورثة يحلوا محل مورثهم في قضاء ديون مورثه الحالة الاداء فيجب عليهم المبادرة الى إخراجها وسدادها قبل الشروع في أي من إجراءات القسمة.
اما اذا كانت الديون التي بذمة المورث اجلة لم يحل بعد موعد سدادها الى الدائنين ، فهو يورث عن الدائن ، فإذا مات الدائن قبل حلول الأجل بقى الأجل على حاله ولم يحل الدين، وعلى ورثة الدائن أن يتربصوا حتى يحل الأجل ليطالبوا بحق مورثهم.
أما إذا مات المدين قبل حلول الأجل، فمن يقول باتصال الأجل بشخص المدين لا يجعل الأجل ينتقل إلى الوارث فينتفع بما بقى منه، كما كان ينتفع المدين لو بقي حياً، وعلى ذلك يسقط الأجل بموت المدين ولا ينتقل إلى الوارث، فيحل الدين ولو لم يحل أجله، وظاهرهذا القول يتعارض مع ما هو مقرر في القانون اليمني والمصري من أن الأجل في الدين متصل بالدين ذاته لا بشخص المدين، بل هو وصف في الدين، فإذا مات المدين لم يحل الدين إذا كان الأجل لم ينقض، وقد حصرت المادة 273 مدني مصري أسباب سقوط حق المدين في الأجل، وليس الموت من بينها، فالأجل إذن لا يسقط بموت المدين.
اما الفقه الإسلامي فإن كان الدين مؤجلا، ولم يحن أجله عند قسمة التركة، فقد اختلف أهل العلم: هل يحلُّ بالموت أم لا ؟ والذي عليه جمهور أهل العلم أنه يلزم المبادرة بقضائه كالديون الحالّة، فقد ذهب المالكية الى انه لا يسقط الأجل بموت المدين إذا اشترط المدين بقاء الدين مؤجلاً بعد موته إلى أن ينقضي الأجل، ولكن هذا لا يكفي، إذ يكون الأصل في الأجل عند مالك أن يسقط بموت المدين إلا إذا اشترط المدين بقاءه بعد موته.
في حين ان الأجل لا يسقط بموت المدين في القانون اليمني والمصري سواء اشترط المدين بقاءه بعد موته أو لم يشترط، والأقرب إلى القانون اليمني والمصري في هذه المسألة هو رواية في المذهب الحنبلي، ففي هذا المذهب روايتان في سقوط الأجل بموت المدين، إحداهما أن الأجل لا يسقط بموت المدين إذا وثق الورثة الدين، ومعنى توثيق الورثة للدين أن يقدموا ضماناً للدائن يأمن به على حقه، وهذا هو نفس ما تقضى به المادة 895 / 2 مدني مصري في تصفية التركة تصفية جماعية، إذ تقول: "وترتب المحكمة لكل دائن من دائني التركة تأميناً كافياً على عقار أو منقول، على أن تحتفظ لمن كان له تأمين خاص بنفس".
ومن المعروف من الناحية القانونية والعملية أن ديون المتوفى تقضى من تركته، بعد وفاته، فإن بقي بعد سداد الديون شيء في التركة، آلت إلى ورثته، وإن استغرقت الديون كل التركة، لم ينتقل شيء منها إلى ورثته، وإن لم تكف التركة لسداد جميع ديون المورث، فلا يُسأل الورثة في أموالهم الخاصة عن سدادها، ولا يلزمون قانونًا بذلك.
ومن المقرر – شرعاً وقانوناً – أن: شخصية الوارث مستقلة عن شخصية المورث، وأن أموال وأعيان التركة منفصلة عن أشخاص الورثة وأموالهم الخاصة، لذا فإن ديون المورث تتعلق بتركته بمجرد الوفاة، ويكون للدائنين عليها حق عيني، فيتقاضون منها ديونهم قبل أن يؤول شيء منها للورثة، ولا تنشغل بها ذمة ورثته، ومن ثم فلا تنتقل التزامات المورث إلى ذمة الوارث لمجرد كونه وارثاً إلا في حدود ما آل إليه من أموال التركة، تطبيقاً للقاعدة الشرعية التي تقضي بأنه "لا تركة إلا بعد سداد الديون"، ويندرج في تلك الديون "المتعة" أو "مؤخر الصداق". والمقصود بالمتعة الكسوة أو النفقة التي تعطى للزوجة المطلقة قبل الدخول بها عملا بقوله تعالى )ياايها الذين امنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهم من قبل ان تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن صباحا جميلا).
وقد سبق لمحكمة النقض المصرية وأن تصدت لهذه الإشكالية في الطعن المقيد برقم 154 لسنة 67 قضائية "أحوال شخصية" – جلسة 30/3/1998 – حيث قضت إن هذا النعي غير مقبول، ذلك بأنه لما كانت شخصية الوارث مستقلة عن شخصية المورث، والتركة منفصلة عن أشخاص الورثة وأموالهم الخاصة، فإن ديون المورث تتعلق بتركته ولا تنشغل بها ذمة ورثته، ومن ثم فلا تنتقل التزامات المورث إلى ذمة الوارث لمجرد كونه وارثاً إلا في حدود ما آل إليه من أموال التركة، ومن المقرر شرعاً أنه "لا تركة إلا بعد سداد الديون" التي تندرج فيها المتعة المحكوم بها، فأوان الميراث – على ما يُؤخذ من قوله تعالى "من بعد وصية يوصى بها أو دين" – لا يتحقق إلا بعد قضاء ديون المورث، وهذا هو الراجح في مذهب أبي حنيفة.
لما كان الامر كذلك، وكانت المطعون ضدها قد أقامت الدعوى ابتداءاً على مورث الطاعنين، وبعد وفاته اختصمت الطاعنين ابتغاء الحكم لها بالمتعة في تركة مورثهم، وإذ أجابها الحكم المطعون فيه إلى طلبها، دون مساس بذمة الطاعنين الخاصة، الذين لم يجادلوا في أصل استحقاقها للمتعة، فإنه أياً كان الشأن في مقدار تلك التركة فإن المتعة لا تخرج عنها، ولا تتعداها إلى أموال الطاعنين الخاصة، وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدفاع الذي تلتزم محكمة الموضوع بالرد عليه هو الدفاع الجوهري الذي من شأنه – إن صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، والذي يكون مدعيه قد أقام الدليل عليه، وما دون ذلك من قبيل المرسل من القول الذي لا إلزام على محكمة الموضوع بالالتفات إليه . (هل تنتقل ديون التركة الى الورثة ، الاستاذ عبد العزيز حسين عمار، منصة برلماني ).
الوجه السادس: ديون المورث من ضمن الحقوق المتعلقة بتركة المورث:
نصت المادة (302) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على إنه (تتعلق بتركة الميت حقوق أربعة مقدم بعضها على بعض: -أ- إخراج مؤن التجهيز من الموت إلى الدفن ونفقة معتدة –ب- قضاء ما ثبت عليه من دين –ج- تنفيذ ما يصح من الوصايا –د- تقسيم الباقي بين الورثة).
إذ تنتقل تركة المورث الى ورثته وتتعلق بها حقوق أربعة، من ضمنها ديون المورث وهذه الحقوق مرتبة على التوالي ،وعلى النحو التالي:
الحق الأول: تجهيز الميت:
والمقصود بتجهيز الميت:غسله وتكفينه وتشييعه ودفنه بما يليق بأمثاله. حيث إن تجهيز الميت حاجة من حاجاته؛ فكما كان يقضي حاجاته في الدنيا يتم تجهيزه على الكيفية نفسها من غير إسراف ولا تقتير، وبما يليق بحاله عسراً ويسراً.
والامانة العلمية تقتضي القول ان غالبية اهل اليمن قد بالغوا واسرفوا في مصاريف تجهيز الميت وادخلوا فيها أجور قاعات العزاء واجور المنشدين والولائم وجلسات المقيل والقات التي تستمر في بعض الأحيان عشرة ايام من بعد دفن الميت ، وهذه المصاريف ما انزل الله بها من سلطان، فهي تستهلك في غالب الاحوال نصف التركة أو ربعها سيما ان غالبية اليمنيين العظمى فقراء ، ولذلك فانه ينبغي تحميل الوارث الذي يسعى الى زيادة نفقات تجهيز الميت تحميله هذه الزيادة ان لم يستاذن بقية الورثة في هذه الزيادات .
وحق تجهيز الميت (المورث) له الأولوية على غيره فلا يتُقدَّم عليه حق اخر إلا دَيناً تعلق بعين التركة، كالرهن والزكاة إن كانت وجبت قبل وفاته، والمقصود بالحق المتعلق بعين التركة: أي أن الدين تعلق بالعين نفسها كالأرض المرهونة، أو المبيع إذا كان المشتري مفلساً.
قال الإمام النووي رحمه الله:"فإن تعلق بعين التركة حق: كالزكاة والجاني والمرهون والمبيع إذا مات المشتري مفلساً، قدم على مؤنة تجهيزه. والله أعلم." [منهاج الطالبين: 180]، وإنما قُدم تجهيز الميت على قضاء ديونه؛ لأن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان إذا حضرت أحدَهم الوفاةُ أمر بتكفينه ودفنه، كما حصل مع المُحْرِم الذي وقصته ناقته فمات، فقال صلى الله عليه واله وسلم:(اغْسِلُوهُ بِماءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُلَبِّيًا) [متفق عليه]، من غير أن يستفسر عليه الصلاة والسلام إن كان على الميت دين، مع أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الجنازة يسأل هل على صاحبها دين؟ فإن كان عليه دين قال:(صَلّوا عَلَى صاحِبِكُم) [رواه البخاري، وانظر: مغني المحتاج: 4/ 7].
ولأن المحجور عليه المفلس يترك له ما يستره، فهذا أولى، قال الإمام الرملي: "لاحتياجه لذلك كالمفلس، بل أولى لانقطاع كسبه بالمعروف" [نهاية المحتاج: 6/ 5].
وليحذر أهل الميت كل الحذر من الإنفاق على مراسيم الجنازة والعزاء من أموال التركة كاجور القاعات والمنشدين وجلسات القات والمقيل، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن أموال الميت قد أصبحت من حق الورثة بعد إخراج الحقوق الأخرى، فلا يتصرف فيها إلا بإذنهم ورضاهم، وإذا كان للميت ورثة قاصرون حرم الإنفاق من أموالهم، ولا عبرة بإذنهم؛ لأنهم لا يملكون الإذن أصلاً.
فليتقِ الله عز وجل من يسرف في مراسيم الجنازة من أموال الميت؛ لأن هذه المراسيم ليست من قبيل تجهيز الميت في شيء، فالتجهيز كما سبق بيانه هو تغسيل الميت وتكفينه ودفنه فقط، بل إن غالب هذه المراسيم يُبالغ فيها ويدخلها في بعض الأحيان الكثير من الرياء والسمعة، أما إذا تبرع بها أحد الورثة الذين هم من أهل التبرع من ماله الخاص؛ فلا بأس فيها إن كانت في حدود المعروف.
الحق الثاني: قضاء ديون المورث:
بعد تجهيز الميت تقضى ديونه، وهي على قسمين: ديون للعباد، وديون لله تعالى.
فديون الله تعالى ما كان على الميت من حقوق الله تعالى كالنذر أو الكفارة أو زكاة أو حج الفريضة.. إلخ، وديون العباد هي الديون المعروفة بين الناس، والناشئة عن قرض أو دين معاملة، ومنها مهر الزوجة المؤجل، فإنه من جملة الديون التي يجب قضاؤها وقد يغفل عن ذلك كثير من الناس.
فإن أمكن قضاء جميع تلك الديون من راس التركة بعد خصم مصاريف تجهيز المورث فان كفت التركة سداد ديون المورث، وإن لم تف التركة بهذه الديون وتزاحمت فالمقدم منها -على الراجح عند الشافعية- ما كان ديناً لله تعالى كالحج والزكاة والنذر، قال الخطيب الشربيني: "ويقدم دين الله تعالى كالزكاة والكفارة والحج على دين الآدمي في الأصح" [مغني المحتاج: 4/ 7]، وقد استدل فقهاء الشافعية على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:(دَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) [متفق عليه].
الحق الثالث: تنفيذ الوصايا:
إذا أوصى الميت بشيء وجب تنفيذ وصيته، لكن في حدود ثلث المال الباقي بعد خصم ديون المورث ونفقات تجهيزه، ولا يجوز أن يتجاوز في تنفيذ الوصية حدود هذا الثلث إلا إذا أجاز ذلك الورثة البالغون العاقلون، وتكون إجازتهم تبرعاً منهم بحق من ثبتت للزيادة في الوصية؛ لأن هذه الحقوق مقدرة ومبيَّنة لا يجوز أن يطغى فيها حق على غيره، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -لسعد بن أبي وقاص حين أراد رضي الله عنه أن يوصي-:(فالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)[رواه الشيخان]، وللوصية شروط وقيود لا مجال لذكرها هنا.
الحق الرابع:الميراث:
فبعد الوفاء بالحقوق الثلاثة السابق ذكرها بضوابطها يكون المال المتبقي ميراثاً، يوزع بين الورثة بمقدار حصصهم الشرعية، وهنا لا بد من التنبيه على أربعة أمور:
الأمر الأول:أن حق الورثة بالتركة لا يستقر إلا بعد أن تُخرَج الحقوق السابقة، فإن أخذ أحد الورثة من التركة قبل ذلك شيئاً ولو قليلاً كعصا كان يتوكأ عليها الميت إنما يأخذه ظلماً وعدواناً؛ لأنه آخذ لحق ليس له، فربما كان هذا الذي أخذه لدائن أو لموصىً له.
الأمر الثاني:جميع ما يتركه الميت هو تركة، ما قلَّ منه أو كثر، وسواء منه الثمين والحقير، فلا يجوز أن يأخذ أحد الورثة شيئاً من التركة دون علم الآخرين ورضاهم، ولو كان أخذه له بعد قضاء الديون. وإن كان في الورثة أطفال صغار فلا يجوز له ذلك بحال، وليحذر من يفعل ذلك عذاب الله تعالى وتوعده؛ لأن من يعتدي على حق الصغير هو معتدٍ على مال اليتيم، ولو كان هذا اليتيم أخاه، قال الله تبارك وتعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء/10.
الأمر الثالث:أن من الأموال التي يُظن أنها ميراث ما هو حق للزوجة، كالأثاث الذي أحضره الزوج لها أو اشترته الزوجة بمالها، أو اتفقوا على أن يكون المهر أو جزء منه أثاثاً، أو ما أهداه أهل الزوجة للزوجة، فهذا ليس من الميراث بحال، بل هو ملك للزوجة أباحت هي استعماله لزوجها ولأولادها.
الأمر الرابع:إن الأموال أو الاشياء التي وضعها الميت المورث عند أحد أبنائه أو زوجته لا يجوز التصرف بها؛ لأنها ميراث -كما سبق وأشرنا إلى ذلك- فهي حق لجميع الورثة .
وقد اشارت إلى الحقوق المتعلقة بالتركة المادة الرابعة من قانون المواريث المصري رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣ نصت على أنه: "يؤدى من التركة بحسب الترتيب الآتي:
أولًا- ما يكفى لتجهيز الميت، ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن.
ثانيًا- ديون الميت.
ثالثًا- ما أوصى به في الحد الذي تنفذ فيه الوصية ،ويوزع ما بقى بعد ذلك على الورثة. فإذا لم يوجد ورثة قضى من التركة بالترتيب الآتي:
أولًا- استحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره.
ثانيًا- ما أوصى به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية، فإذا لم يوجد أحد من هؤلاء آلت التركة أو ما بقي منها إلى الخزانة العامة".
كما تنص المادة ٨٩٩من القانون المدني المصري على أنه "بعد تنفيذ التزامات التركة، يؤول ما بقى من أموالها إلى الورثة كل بحسب نصيبه الشرعي"،.
وقد جاء في (الموسوعة الفقهية) انه : لا خلاف بين الفقهاء في أن الحقوق المتعلقة بالتركة ليست على مرتبة واحدة، وأن بعضها مقدم على بعض، فيقدم من حيث الجملة: تجهيز الميت وتكفينه، ثم أداء الدين، ثم تنفيذ وصاياه، والباقي للورثة. اهـ.
فإن قسم الورثة التركة بينهم دون قضاء دين مورثهم، فقد تعدوا على حق مورثهم ودائنيه.
كما جاء في (الموسوعة الفقهية): ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التركة المستغرقة بالدين تبقى على ملك المورث، أو هي في حكم ملكه؛ لأن الدين يشغلها جميعا. أما غير المستغرقة فإنها تنتقل إلى ملك الوارث من حين وفاة المورث أو ينتقل الجزء الفارغ من الدين، ومن ثم لا يجوز للورثة اقتسام التركة ما دامت مشغولة بالدين، وذلك لأن ملكهم لا تظهر إلا بعد قضاء الدين؛ لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين } فإذا قسموها قبل قضاء الدين نقضت قسمتهم حفظا لحق الدائنين؛ لأنهم قسموا ما لا يملكون. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م،ص255).
الوجه السابع: شروط الزام الورثة بسداد ديون مورثهم:
ذكرنا فيما سبق ان الورثة هم الخلف العام لمورثهم وان تركة مورثهم تنتقل الى الورثة بحقوقها وواجباتها ، ومؤدى ذلك ان يكون الورثة ملزمين بسداد ديون مورثهم المتعلقة بالتركة، بيد انه يشترط لذلك شروطا عدة هي :
أولاً: وجود تركة: فيجب أن يكون للمتوفى تركة تكفي لسداد ديونه، فلا يُلزم الورثة بدفع ديون المتوفى من أموالهم الخاصة، فمسئولية الوارث في هذا الشان محدودة بحدود ما ال اليه من تركة مورثه.
ثانياً: كفاية أموال التركة لسداد ديون المورث: فإذا كانت التركة كافية لسداد جميع الديون، فيتم سداد جميع الديون قبل توزيع التركة على الورثة. أما إذا كانت التركة غير كافية لسداد جميع الديون، فيتم سداد الديون بنسب متساوية حسب ما ال الى كل وارث ، ولا يُلزم الورثة بدفع باقي الدين من أموالهم الخاصة.
فقضاء الوارث لدين مورثه واجبٌ شرعي وذلك من أموال التركة ان كانت كافية، وان لم تكن كذلك فيستحسب ان يتبرعٍ الوارث بسداد دين مورثه، وذلك من قبيل البر والاحسان الى المورث الميب حتى تبرأ ذمته فلايعذبه الله بسبب الدين الذي بذمته ،ويُقدم سداد الدين على توزيع التركة وتنفيذ الوصية، لقوله تعالى: ﴿... فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11].
فإذا لم يترك المورث الميت مالاً لسداد ديونه ونوى السداد في حياته وليس له مال فالمرجو له أن يتولى الله عنه قضاء الدين يوم القيامة رحمةً به، أما إذا لم ينوِ السداد فهو مُعلقٌ بدينه حتى يُقضى عنه.
وقد افتت دار الإفتاء المصرية يوم الخميس 20-10-2022 م بوجوب قضاء الورثة دَين مورِّثهم إذا ترك مالا وفاءً لديونه ،لإن الشريعة الإسلامية حثت على الوفاء بالالتزامات والحقوق والتي منها الديون؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقالت دار الافتاء أن الشريعة بيَّنت أنَّ الدين يجب قضاؤه من تَرِكة الميت، وهو مُقَدَّم على الوصية وعلى تقسيم التركة على الورثة؛ يقول تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11].
و أنه اذا لم يكن للمتوفى ترِكة يُقضى منها الدَّين فيُستَحبُّ لورثة الميت أن يُسدِّدوا دَين مورِّثهم، ويقسموا الدَّين بينهم على ما يتراضون به بينهم؛ لأن ذلك من أعلى درجات البرِّ والوفاء للميت مورثهم، لقوله ﷺ: «نفس المؤمن مُعَلَّقَةٌ بدينه حتى يُقْضَى عنه»، والمعروف ان ديون المتوفى تقضى من تركته، بعد وفاته، فإن بقي بعد سداد الديون شيء في التركة، آلت إلى ورثته، وإن استغرقت الديون كل التركة، لم ينتقل شيء منها إلى ورثته، وإن لم تكف التركة لسداد جميع ديون المورث، فلا يُسأل الورثة في أموالهم الخاصة عن سدادها، ولا يلزمون قانونًا بذلك.
ولذلك فإنه يحبذ "شرعًا" أن يف الورثة بديون مورثهم، ولو من أموالهم الخاصة، حتى يرحموه من عذاب القبر واليوم الآخر، فتكون لهم بذلك صدقة وقربى وصلة رحم يثابون عليها في الدنيا والآخرة، إن كانوا بالطبع يستطيعون الوفاء بديون مورثهم، وإلا طلبوا التجاوز عنها والمسامحة فيها من الدائنين حتى تبرأ ذمة مورثهم.
ثالثاً: الاولوية في السداد لديون المورث المؤمنة: فتكون لها الأولوية في السداد من التركة، مثل الديون التي يضمنها الرهن العقاري أو ورهن المنقول، وكذا الكفالة فتكون لهذه الديون الأولوية عن غيرها، وهي الديون غير المؤمنة، ويتم سدادها بعد سداد الديون المؤمنة.
رابعاً: ان يكون دين المؤرث ثابتا بوصية من المورث أو بسند حرره المورث.
خامساً: حصر الدائنين وتحديد مقدار دين كل واحد منهم المورث .( إلزام الورثة بدفع دين المورث،د.علاء نصر، صحيفة الخليج).
الوجه الثامن: وجوب المبادرة إلى قضاء ديون المورث:
سبق القول أن الورثة يحلوا محل مورثهم في التركة وانه يجب عليهم سداد ديون مورثهم من أموال تركة مورثهم التي حل اجل سدادها وان يسددوا ديون مورثهم الاجلة عندما يحين اجل سدادها ، طبعا هذا من وجهة القضاء اما في الدين فانه يجب على الورثة سرعة المبادرة لسداد كافة ديون مورثهم العاجلة والاجلة.
فأوّل ما يُبدأ به من تركة الميت تجهيزه ودفنه، فإن تبرع بذلك أحد الأقارب فلا حرج في ذلك، ثمّ يبادر إلى قضاء الدين الذي على الميت، سواء كانت ديونًا أخروية كالكفارات والزكاة ونحوها، أو دنيوية للعباد، أفرادًا أو جهات عامة أو مؤسسات؛ لقوله ﷺ (نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رواه الترمذي.
وقد فسّر العلماء قوله ﷺ: (نفس المؤمن معلقة): أي: محبوسة عن مقامها الكريم، وقال العراقي: أي: أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى يُنظر هل يُقضى ما عليها من الدين أم لا.
وإذا لم يكن للميت تركة وأراد ورثته أو بعضهم ضمان دينه على سبيل التبرّع من مالهم الخاص، ومنها الوفاء بالالتزامات المالية المتعلقة بذمته من فواتير مياه وكهرباء وغيرها؛ فهذا أمر مستحب إبراءً لذمته، ولا يجب عليهم؛ لما ورد عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟)، قَالُوا: لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: (هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟)، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رواه البخاري.
وعليه؛ فقضاء ديون المتوفى وأي فواتير وجبت عليه يكون من تركته إن كان له مال، فإن لم يكن له مال وتبرع ورثته أو بعضهم بالسداد إبراء لذمته، فلهم الأجر عند الله عز وجل، وهو من أعمال البر والخير المهدى للميت، خاصة إن كان المدين أحد الوالدين فهو من باب البرّ والوفاء بهما بعد وفاتهما.
الوجه التاسع: حدود التزام الورثة لقضاء ديون مورثهم:
تستقل الشخصية القانونية للوارث عن الشخصية القانونية للمورث، قبل وفاته وبعدها. ويتفق ذلك مع قاعدة «لا إرث قبل وفاء الدين» أو «لا تركة إلا بعد سداد الدين». وهذا على عكس ما هي عليه الحال في القانون الفرنسي الذي يأخذ بمبدأ مستمد من القانون الروماني مفاده أن شخصية الوارث تعتبر امتدادً لشخصية المورث، فتكون للوارث حقوق المورث كما أنه يلزم بديونه، أي تختلط ذمة المورث، بعناصرها الايجابية والسلبية بذمة الوارث.
وتنحصر مسؤولية الوارث عن ديون مورثه في حدود ما تلقاه الوارث من اموال التركة (المادة 76 موجبات وعقود). فطالما أن شخصية الوارث لا تعتبر امتدادًا لشخصية المورث، فإن ضمان دائني المورث يظل محصورًا في أموال التركة، وتكون مسؤولية الوارث عن ديون المورث في حدود هذه الاموال. فإذا كانت أموال التركة غير كافية للوفاء بحقوق دائني المورث، فإنه ليس لهؤلاء التنفيذ على أموال الوارث الخاصة. ومن المبادىء المستقرة في الشرع والقانون أنه لا يجوز للدائنين التنفيذ على أموال المورث الخاصة ولو كانت التركة غير كافية للوفاء بديون مورثهم استنادًا إلى مبدأ استقلالية شخصية الورثة عن شخصية المورث.
المقرر – شرعًا وقانونًا – أن: شخصية الوارث مستقلة عن شخصية المورث، وأن أموال وأعيان التركة منفصلة عن أشخاص الورثة وأموالهم الخاصة، لذا فإن ديون المورث تتعلق بتركته بمجرد الوفاة، ويكون للدائنين عليها حق عيني، فيتقاضون منها ديونهم قبل أن يؤول شيء منها للورثة، ولا تنشغل بها ذمة ورثته، ومن ثم فلا تنتقل التزامات المورث إلى ذمة الوارث لمجرد كونه وارثًا إلا في حدود ما آل إليه من أموال التركة، تطبيقًا للقاعدة الشرعية التي تقضي بأنه "لا تركة إلا بعد سداد الديون"، ويندرج في تلك الديون "المتعة" أو "مؤخر الصداق"
قال تعالى "من بعد وصية يوصى بها أو دين" – لا يتحقق إلا بعد قضاء ديون المورث، وهو ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون المواريث (رقم٧٧ لسنة ١٩٤٣).
وقد قضت محكمة النقض المصرية بانه: من المستقر عليه بقضاء محكمة النقض " إذا كانت شخصية الوارث مستقلة عن شخصية المورث، وكانت ذمة التركة منفصلة شرعًا عن أشخاص الورثة وأموالهم الخاصة، فإن ديون المورث تتعلق بتركته، ولا تنشغل بها ذمة ورثته، ومن ثم لا تنتقل التزامات المورث إلى ذمة الوارث لمجرد كونه وارثًا إلا في حدود ما آل إليه من أموال التركة" (الأحكام القانونية لديون المتوفى وحقوق دائنيه، د. نادر عبد العزيز شافي، مجلة الجيش اللبناني، العدد 354 كانون الاول 2014م).
الوجه العاشر: حقوق دائني المورث:
إهتم القانون بحماية حقوق دائني المورث من مزاحمة دائني الوارث أو من تصرف الوارث، فأقر بصحة تملك هذا الاخير عقارات التركة المدينة وبصحة تصرفه في عقارات هذه التركة، ضمن عدد من القيود وهي كماياتي:
1- سقوط أجل الديون بوفاة المدين: إن وفاة المديون تجعل كل ما عليه من الموجبات ذات الأجل مستحقة الإيفاء ما عدا الديون المضمونة بتأمينات عينية (المادة 114 موجبات وعقود لبناني) أما القانون اليمني والمصري فان الاجل لايسقط حسبما سبق بيانه.
2- سريان العقود بوجه ورثة المدين المورث: تشمل العقود الذين نالوا على وجه عام حقوق المتعاقدين وتكون مفاعيلها في الأساس لهم أو عليهم إما حالًا (كالدائنين) وإما بعد وفاة المتعاقدين أو أحدهم (كالورثة والموصى لهم بمجموع التركة أو بجزء منها على وجه عام) (المادة 114 موجبات وعقود).
3- وجود تأمين لمصلحة الدائن قبل وفاة المورث المدين: إن الدائن الذي حصل قبل الوفاة، وخلال حياة المورث، على تأمين عيني (عقاري) يكون قد حفظ حقه. فالتأمين الاجباري الذي يقيد لمصلحة الدائن قبل الوفاة يعطيه حق الأفضلية وحق التتبع، ويكون هذا الدائن بمنأى عن أي خطر يهّدد حقه، فحق الأفضلية يخوله التقدم في استيفاء دينه أو حقه من المقابل النقدي للعقار المُحمَّل بالتأمين على الدائنين التالين له في المرتبة وبقية الدائنين العاديين للتركة. وحق التتبع يخول الدائن تتبع العقار المُحمَّل بالتأمين إذا حصل التصرف فيه إلى أية يد إنتقلت اليه بعد قيد التأمين سندًا للمادتين 120 و138/4 من قانون الملكية العقارية. ويكون لهذا الدائن أيضًا جميع الحقوق التي تعود للدائن العادي إذا لم يكفِ العقار المُحمَّل بالتأمين لسداد دينه فيتساوى مع الدائنين العاديين الآخرين بنسبة ما بقي من دينه، إذا تم التنفيذ على مال آخر في التركة.
4- قيد تأمين لمصلحة الدائن بعد وفاة المدين المورث: للدائنين وللموصى لهم أن يحفظوا حقوقهم في فرز التركات بموجب قيد إجباري يدون في أثناء الستة اشهر التي تلي افتتاح التركة.
وبذلك، يتم تأمين حماية حقوق دائني المورث من مزاحمة دائني الوارث لهم في استيفاء ديونهم من التركة بوسيلة التأمين الاجباري الذي يعقد على عقاراتها ضمانًا لفرزها عن أموال الوارث. فالتأمين الإجباري هو التأمين الذي يسجل حكمًا، سواء أكان برضى صاحب العقار أم بغير رضاه، وفي الأحوال المعينة في القانون.
أما الدائنون الذين أهملوا ضمان حقوقهم ولم يتقدموا بأي طلب خلال المهلة المذكورة فلا يستفيدون من ذلك، وبالتالي فإن الدائنين المستفدين من قيد التأمين يحتجون به بمواجهة دائني الوارث الشخصيين، وبمواجهة دائني المورث الذين اهملوا ضمان حقوقهم.
5- حماية الدائن من تصرف الوارث بأموال التركة بعد وفاة المورث المدين: المبدأ القانوني أنه يحق للوارث، بعد تسجيل ملكيته للعقار الموروث، أن يتصرف به وأن يسجل هذا التصرف في السجل العقاري. ويكون تصرفه صحيحًا وقانونيًا باعتباره تصرفًا صادرًا عن مالك، رغم أن التركة مدينة، أي تتعلق بها حقوق دائني المورث. ونكون بذلك أمام مصالح متعارضة: مصلحة الوارث ومصلحة المتصرف إليه ومصلحة دائن المورث.
فإذا كان دائن المورث قد ضمن حقه بأن أجرى التأمين الاجباري في السجل العقاري، فإن حقه يظل مضمونًا ويستطيع تتبعه واقتضاءه، شرط أن يكون تاريخ قيد التأمين الاجباري سابقًا لتاريخ تسجيل تصرف الوارث في السجل العقاري. كما أن المشتري من المورث بموجب عقد عادي لم يسجل قبل الوفاة يعتبر بمثابة دائن للمورث، ويفضل على المشتري من الوارث شرط قيد التأمين الاجباري قبل تاريخ تسجيل تصرف الوارث. وكذلك الامر بالنسبة للموصى له بعقار في التركة والذي لم يسجل الوصية.
6- حقوق الدائن العادي بعد وفاة المورث المدين: يحق للدائن الذي أهمل قيد التأمين الاجباري ضمن مهلة الستة أشهر، أن يلجأ إلى طريق التنفيذ العادي بوجه الورثة، والحجز على أموال التركة التي لا تزال على إسم المدين المتوفى، واقتضاء حقه من الثمن الناتج عن البيع بالمزاد العلني، وإذا كان الوارث قد تصرف بأموال التركة كلها أو بعضها، بحيث لم تعد كافية لسداد الدين، فإن الدائن المهمل يمكنه أن يعود على الوارث بأمواله الشخصية، بحيث يتزاحم مع دائني الوارث، هذا إذا لم يتمكن من الطعن بتصرف الوارث. إلا أن الدائن لا يستطيع أن يطالب الوارث بأكثر مما عاد لهذا الاخير من التركة (المادة 76/2 موجبات وعقود). فحقوق دائن المورث تظل متعلقة بالتركة، وإن كان يمكنه أن يطالب الوارث بالتعويض، إذا كان سيء النية، واستطاع (الدائن) إثبات سوء نيته.
الأصل هو أن دائن المورث لا يمكنه ملاحقة الورثة على أموالهم الخاصة؛ إذ أن المطالبة يجب أن تقتصر على الحصة التي تعود لهم من التركة.
ويقع على عاتق الدائن اثبات وجود التركة وتعيين أعيانها وعناصرها. فاذا كان هذا الامر متيسرًا بالنسبة للعقارات بالنظر لوضوح وحجية قيود السجل العقاري، إلا أنه يبدو متعذرًا بالنسبة للمنقولات استنادًا إلى الحجة التي أقرتها المـادة 306/أ.م.م. بأن 7-الحيازة في المنقول تعد سندًا للملكية: وبالتالي، فإن إثبات دخول اموال التركة في ذمة الورثة قبل وفاء الدين يقع على عاتق الدائن الذي عليه أن يقيم الدليل على ذلك بدعوى أصلية عبر اللجوء إلى الوسيلة المتوسطة التي تمهد سبيل التنفيذ بحق ارتهان الدائن المذكورة في المـادة 275 من قانون الموجبات والعقود، وهي حق التفريق بين أموال المورث وأموال الوارث.
واذا ثبت أن الورثة تصرفوا بأموال التركة قبل وفاء الدين وخالفوا قاعدة «لا إرث قبل وفاء الدين»، فإنه يمكن التنفيذ على اموالهم الشخصية بمقدار ما دخل عليها من اموال التركة.
وإذا لم يكن للمدين المتوفى أية أموال أو تركة، فلا يُلزم أحد بدفع ديونه التي تصبح غير قابلة للتحصيل، ولا يحق للدائن مطالبة ورثته أو غيرهم بتلك الديون إلا في حالة الكفالة أو التضامن، فيكون الشخص ملزمًا دفع تلك الديون بوصفه كفيلًا أو مديونًا متضامنًا، وليس بوصفه وارثًا. (الأحكام القانونية لديون المتوفى وحقوق دائنيه، د. نادر عبد العزيز شافي، مجلة الجيش اللبناني، العدد 354 كانون الاول 2014م).
الوجه الحادي عشر: ظهور دين المورث بعد قسمة التركة:
إذا قام الورثة بالتقصي والتحري عن ديون مورثهم وقاموا بحصرها وتصنيفها وقاموا بتحصيل ديون مورثهم لدى الغير وقاموا بسداد الديون المستحقة للغير بذمة مورثهم ، وبعد ذلك قاموا بقسمة مابقي من التركة ، غير انه بعد القسمة ظهر دين جديد بذمة المورث لم يتم سداده أو ظهر موص له لم يسبق إخراج وصيته ففي هذه الحالة فان كل وارث متقاسم ملزم بان يسدد الدين أو الوصية بحسب ماصار له من نصيب بحسب القسمة ، حسبما ورد في المادة (1204) مدني يمني التي نصت على انه: (إذا ظهر بعد قسمة التركة دائن أو موصى له أو وارث وتعذر حصوله على حقه من المتقاسمين أو بعضهم بالتراضي مع بقاء القسمة تنقض القسمة وياخذ حقه من راس التركة أو من الباقي منها بايدي المتقاسمين ولمن اخذ منه الرجوع على الباقين طبقا لما تنص عليه المادة (1208)). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م،ص259)، والله أعلم.
تعليقات
إرسال تعليق