ثمن المبيع في بيع المورث لوارثه

 

ثمن المبيع في بيع المورث لوارثه

أ .د. عبد المومن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

ثمن المبيع في بيع المورث لوارثه

من أهم مظاهر الحيلة في بيع المورث لوارثه هو التلاعب بثمن المبيع ، ففي بعض الحالات يكون الثمن صوريا أي أن الوارث لايدفع ثمن المبيع بالفعل، كما قد يكون الثمت تافها قياسا بالقيمة الحقيقية للمبيع ، وكذا قد يكون الثمن مدفوعا من المورث وليس الوارث ، ولذلك ينبغي على الوارث حينما يشتري من مورثه مالا ينبغي عليه ان يثبت انه قد دفع الى مورثه الثمن المناسب للمبيع ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 16/3/2012م، في الطعن رقم (44185)، المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (أنما ذكره المستانف بشان تخلف ركن الثمن في المبيع الصادر من الزوج لزوجته غير صحيح ، لان بصيرة ذلك المبيع قد تضمنت ان ثمن المبيع هو ماسبق للزوج ان باعه من نصيب زوجته في جبل....وان بيع الزوج لنصيبه في موضع .... لزوجته هو تعويض لزوجته عن اموالها المشار إليها التي قبض الزوج ثمنها ولم يسلمه لزوجته وانفقه الزوج، فقد ورد في بصيرة بيع الزوج لزوجته ان ثمن المبيع هو ماسبق ان قبضه االزوج من ثمن املاك الزوجة ، وان الزوج مقابل ذلك قد باعها نصيبه في ذلك الموضع براءة لذمته، حسبما ورد في البصيرة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا : (وحيث ان الاسباب التي توصلت إليها محكمة الإستئناف في حكمها بإلغاء الحكم الإبتدائي وصحة البيع من المورث لزوجته اسباب شرعية وقانونية صحيحة لما استندت اليه ، لذلك فان الحكم الإستئنافي جاء موافقا للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: اهمية الإحاطة بثمن المبيع في بيع المورث لوارثه للتحقق من وجود الحيلة أو عدمها:

من اهم مظاهر الحيلة في بيع المورث لوارثه هو التلاعب بثمن المبيع ، ففي بعض الحالات يكون الثمن صوريا أي أن الوارث لايدفع ثمن المبيع ، كما قد يكون الثمن المدفوع من الوارث تافها قياسا بالقيمة الحقيقية للمبيع ، وقد يكون الثمن مدفوعا من المورث وليس الوارث اي ان الوارث لم يدفع ثمنا، ولذلك ينبغي على الوارث حينما يشتري من مورثه مالا ينبغي عليه ان يثبت انه قد دفع الى مورثه الثمن المناسب للمبيع ، ولاشك ان الفقه الاسلامي والقانون قد جددا شروط الثمن في عقد البيع التي ينبغي توفرها في ثمن المبيع سواء أكان البيع لوارث أو غير وارث ، وعلى هذا الاساس فان للاحاطة بشروط الثمن في عقد البيع واحكامه اهمية بالغة في التحقق من وجود الحيلة في بيع المورث لوارثه أو عدم وجودها .

الوجه الثاني: ثمن المبيع ركن في عقد البيع لايقوم إلا به:

 ثمن المبيع مع المبيع ذاته هو محل عقد البيع أي الركن الثالث من اركان البيع وفقا للمادة (453) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن: (اركان البيع ثلاثة هي:-

1. صيغة العقد.

2. العاقدان هما البائع والمشتري.

3. المعقود عليه (محل العقد) وهو المال المبيع والثمن).

ومن المعروف ان تخلف ركن الثمن يعني عدم وجود الىيع ، لان الركن هو ماهية الشئ الذي يوجد بوجوده وينعدم بعدمه، وهنا تظهر اهمية الثمن في بيع المورث لوارثه.

الوجه الثالث: معنى ثمن المبيع:

معنى ثمن المبيع في اللغة:هو ما استحق به ذلك الشيء أو المبيع ، والجمع: أثمان وأثمن، والثمن هو ثمن البيع، وثمن كل شيء قيمته، وشيء ثمين: أي مرتفع الثمن، ومنه قوله تعالى: (واشتروا به ثمناً قليلاً).

 معنى ثمن المبيع في الفقه: له عدة تعريفات عند الفقهاء، فهناك من يعرفه بانه :(ما يكون بدلاً للمبيع ويتعلق بالذمة) وبناء على هذا التعريف فأن ما يصلح أن يكون بدلاً للمبيع يصلح بالتبعية أن يكون ثمناً، كالنقود والمكيلات والموزونات والأعيان غير المثلية، ويجب أن يكون الثمن صالحاً لأن يثبت في الذمة.

وهناك من يذهب الى تعريف الثمن بانه: ( قيمة الشيء وسعره الذي تم التراضي عليه)،وبموجب هذا التعريف فأن المبيع يُقوم بالثمن، ويلزم أن يحدد الثمن بالتراضي بين طرفي عقد البيع وهما البائع والمشترى. ويعرف الثمن بعض الباحثين بأنه: (المال الذي يقابل المبيع، وهو إنما يكون من جانب المشترى) ،ويعرف البعض الثمن بأنه: (الثمن هو المبلغ النقدي الذي يلتزم المشتري بالوفاء به للبائع، مقابل حصوله على الشيء المبيع، فهو محل الالتزام الرئيسي والعنصر الأساسي في عقد البيع، بحيث أنه لا ينعقد البيع إلا إذا تم الاتفاق على المبيع والثمن)، ويؤخذ على هذا التعريف انه قصر الثمن على النقود.

وكذا يذهب بعض الفقهاء المعاصرين الى تعريف الثمن بانه:(العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابلة المبيع عيناً كان أو سلعة).

ويمتاز هذا التعريف الأخير بأنه يطابق تعاريف الفقهاء المتقدمين للثمن ، كما ان هذا التعريف يجمع كل خصائص الثمن ومعظم معانيه السابقة، فهو أعم وأشمل .

وقد سبق القول ان لثمن المبيع اهمية ب، فهوم محل التزام المشترى، ولذلك فان الثمن يعد ركنا من الأركان الأساسية في عقد البيع، فإذا تخلف هذا الركن الهام، انعدم وجود البيع واعتبر كان لم يكن.

الوجه الرابع: الفرق بين ثمن المبيع وقيمته :

يحدث خلط بين ثمن الشيء وقيمته ، وعلى هذا الأساس لابد من تمييز الثمن عن القيمة ، فالثمن هو ما يتلقاه البائع مقابل حصول المشتري على الشيء المبيع عن طريق المساومة والمفاوضة بين البائع والمشتري، فلا يشترط في الثمن أن يكون متساويا بالفعل مع القيمة الحقيقية للشيء المبيع، فقد تكون القيمة الحقيقية أقل أو اكثر من التمن الذي اتفق عليه البائع مع المشتري.

وقد عرف القيمة رجال الاقتصاد بأنها: ما تستحقه السلعة أو الخدمة بما يعادلها من السلع أو الخدمات الأخرى، بينما عرفوا الثمن بأنه: العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابل المبيع، عينًا كان أو سلعة.

وللفلاسفة أيضًا إسهام في هذا الأمر؛ حيث يرى “أرسطو” مثلاً: أن قيمة الاستعمال هي ما يحصل عليه من يقتني السلعة من منفعة، وقيمة المبادلة هي ما يحصل عليه من يبادل أو يقايض سلعته بنقود أو بسلعة أخرى.

بيد ان الفقهاء كانوا أكثر وضوحًا وتحديدًا من الفلاسفة في التفريق بين الثمن والقيمة، حيث بيَّن ابن رشد والقرطبي وابن تيمية أن الثمن هو المبلغ الذي يدفعه المشتري نظير الحصول على سلعة، أما القيمة فهي ما تم تقويم الشيء به؛ أي أنها بمنزلة المعيار، أو المعادل النقدي للشيء كما يسميه أهل السوق والخبراء اليوم.

وبيَّن الفقهاء أيضًا أن القيمة بهذا المنطق ليست بالضرورة هي الثمن، الذي يتراضى عليه البائع والمشتري في مبادلة أو صفقة معينة، فهذا الثمن قد يزيد عن القيمة أو ينخفض.

وعليه فإن القيمة شيء تفسره الحاجة، بينما الثمن شيء تفسره الرغبة، والحاجة شيء كامن في الكيان العضوي والوظيفي للإنسان كالتنفس والطعام..، وقيمة الشيء هي قدرته على الوفاء بالحاجة، ومن ثم تتفاوت قيمة الأشياء بتفاوت شدة الحاجة إليها، فحاجة الإنسان إلى الهواء (الأكسجين) أكثر إلحاحًا من حاجته إلى الطعام، ولذلك قيمة الأكسجين أكبر من قيمة الطعام.

والثمن هو ما يتحمله المرء من جهد أو نقود أو أي شيء آخر من أجل تحقيق رغبته، والرغبة موطنها النفس البشرية، والنفس قادرة على توليد رغبات تطابق حاجات الإنسان، كما أنها قادرة على توليد رغبات لا تطابق هذه الحاجات، فإذا اشتدت الرغبات أو كثرت ارتفع الثمن والعكس صحيح.

وفي هذا يقول ابن رشد -رحمه الله-: إن رغبات الناس كثيرة الاختلاف والتنوع، وما كثر طالبوه يرتفع ثمنه بخلاف ما قلّ طالبوه. ويوضح أنه عند كثرة الحاجة وقوتها ترتفع القيمة إلى حد لا ترتفع له عند قلتها وضعفها.

وعلى هذا الاساس فان ثمن المبيع في بيع المورث لوارثه هو الثمن المتراضى عليه بين الطرفين شريطة ان تتوفر في هذا الثمن الشروط الشرعية والقانونية الاتي بيانها (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2022م، صـ198).

الوجه الخامس: الأموال التي تصلح أن تكون ثمناً لمبيع المورث الى وارثه:

خلصنا من تعريف ثمن المبيع الى أن ثمن المبيع هو كل عوض يصلح أن يكون ثمناً، بيد أن الحنفية يرون أن كل ما صلح أن يكون مبيعاً صلح أن يكون ثمناً، أم العكس فغير صحيح، فما صلح أن يكون ثمناً قد لا يصلح أن يكون مبيعاً عندهم، وترتيباً على ما تقدم فإن ما يصلح أن يكون ثمن يمكن أن يكون من الاتي:

1- النقود:

معنى النقود في الاصطلاح هي: (ما اتخذه الناس ثمناً من المعادن المضروبة، والأوراق المطبوعة الصادرة عن المؤسسة المالية صاحبة الاختصاص)، كما يراد بالنقد (الذهب والفضة سواء كانا مسكوكين أو غير مسكوكين).

 ويلاحظ أن التعريف الأول للنقود أشمل وأعم من التعريف الثاني، لأنه يشمل كل ما يستخدم كنقود سواء سلعية أو ورقية أو مصرفية، بل إن النقود الورقية بهذا المعنى قد حلت مكان الذهب والفضة في التداول لما تلعبه من دور هام كمقياس لقيمة الخدمات والسلع، حيث يقسم النقد في عملية المبادلة إلى قسمين: الاول :بيع سلعة أو خدمة مقابل النقد، والثاني :شراء سلعة أو خدمة مقابل النقد، كما أن من وظائف النقود أنها مستودع للقيمة ومعيار للدفع المؤجل.

2- الأموال المثلية:

من المسلم به أن البيع في الفقه الإسلامي يصح أن يكون الثمن فيه من غير النقود، فيتسع البيع فيه ليشمل البيع المطلق والمقايضة والصرف والسلم، فالبيع في الشريعة الإسلامية مبادلة مال بمال. ومن ثم فالبيع إما أن يكون ثمناً بمثمون وهذا هو البيع المطلق أي بيع العين بالثمن، وإما أن يكون مثموناً بمثمون وهذه هي المقايضة وهي مبادلة العين بالعين، وإما أن يكون ثمناً بثمن وهذا هو السلم، أو بيع الدين بالعين، أو بيع المؤجل بالمعجل، أو هو شراء أجل بثمن عاجل.

والمال المثلى هو الذي لا تتفاوت آحاده تفاوتا يعتد به في المعاملات، وكان له نظير في السوق، ويمكن حصره في الأنواع الآتية:

الموزونات: وهي التي تباع بالوزن كالسكر والزيت وغيرهما.

المكيلات: وهي ما تقدر بالكيل كالقمح والشعير وغيرهما.

العدديات المتقاربة: وهي لا تتفاوت في القيمة بين آحادها أو تتفاوت تفاوت يسير، كالليمون والبيض وغيرهما.

المذروعات: أي الأشياء التي تقاس بالذراع على أن تتساوى أجزاؤها دون فرق يعتد به كالمنسوجات الصوفية والسجاد.

3- الأموال القيمية:

إذا كان من الممكن حصر الأموال المثلية لخضوعها لوحدات قياسية تعارف عليها الناس، فإنه من العسير حصر القيميات ، لأنه لا يوجد مقياس يربط بينها بشكل محدد، فيما عدا الأموال المثلية تكون أموال قيمية كالعقارات والبناء والحيوانات والأشجار، فالمال القيمي هو الذي تتفاوت آحاده تفاوتا يعتد به في المعاملات، أو كان مثليا، ولكن لا نظير له في الأسواق كالتحف النادرة والآثار القديمة.

أما الفقهاء فقد اختلفت اقوالهم بشان أنواع المال على النحو التالي: –

ففقهاء الحنفية: قسموا الأموال إلى أربع أنواع:

أ-ثمن في جميع أحواله، كالنقد.

ب-مبيع في جميع أحواله وهي القيميات كالدواء.

ج-ثمن من وجه وهي المثليات إذا قابلت المبيع والتصقت بحرف الباء ومبيع من وجه آخر إذا عينت في العقد ولم يصاحبها حرف الباء.

د-الفلوس الرائجة وتعتبر أثماناً بالاصطلاح.

أما فقهاء المالكية: فلا فرق عندهم بين ثمن ومبيع ، ولا مانع عندهم أن تكون النقود مبيعاً، والشافعية: يرون أن النقد هو الثمن إذا قابل غيره نظراً للعرف، أما إذا كان نقدين أو عوضين فما اتصلت به الباء كان ثمناً. أما الحنابلة: فالثمن عندهم بدخول باء البدلية عليه، فإذا باع عبداً بثوب فالثمن هو الثوب. (شروط الثمن في نظام المعاملات السعودي، الاستاذ جمال مرعي. منشور في موقع حماة الحق الاردني).

الوجه السادس : شروط ثمن المبيع عند بيع المورث لوارثه في القانون اليمني:

إذا كان البيع الصادر من المورث لوارثه بيعا حقيقيا لاينطوي على حيلة ، فان يجب ان يقوم الوارث المشتري بدفع الثمن المتفق عليه الى مورثه، ويجب ان تتوفر في الثمن الشروط الشرعية والقانونية ، وفي هذا المعنى نصت المادة (503) من القانون المدني اليمني على انه: (يشترط في الثمن ما ياتي :-

1. ان يكون مما يصح تملكه.

2. ان يكون مملوكا للمشتري.

3. ان يكون معينا حال العقد.

4. ان يكون معلوما للمتعاقدين علما نافيا للجهالة.

5. ان يكون مقدور التسليم).

وسنعرض هذه الشروط بإيجاز على النحو الاتي :

الشرط الأول: ان يكون ثمن المبيع مما يصح تملكه: ومعنى ذلك ان يكون الثمن من الاموال المشروعة في حكم الشريعة الاسلامية فلايكون ان يكون من الاموال المحرمة في الشريعة الاسلامية كالخمر والخنزير والمعازف، وكذا يستفاد من هذا الشرط انه يجب ان يكون الثمن من الأموال التي يجيز القانون اليمني حيازتها وتداولها.

الشرط الثاني: ان يكون الثمن مملوكا للوارث المشتري: وقد يدفع الثمن شخص آخر غير المشتري، شريطة أن لايكون المورث قد سبق له ان دفع الثمن الى الوارث كي يشتري المبيع ، فاذا كان الثمن كذلك بطل البيع لتخلف هذا الشرط.

الشرط الثالث:ان يكون ثمن المبيع معينا حال العقد: فاذا كان الثمن نقدأ فيجب بيان نوعه وجنسه وقدره وقت التلفظ بصيغة الايجاب والقبول ، مثل مليون ريالا يوميا واذا كان الثمن مالا عينيا آخرا فيجب أيضا بيان نوعه وقدره وجميع صفاته ومكان وجوده واوصافه.

الشرط الرابع: ان يكون الثمن معلوما للمتعاقدين علما نافيا للجهالة: ويكون الثمن معلوما علما نافيا للجهالة للمتعاقدين عن طريق المفاوضات السابقة لابرام عقد البيع وكذا عند ابرا العقد اذ ينبغي التصريح بثمن المبيع في صيغة عقد البيع حتى يسمع ذلك المتعاقدان والشهود ، وفي هذا الشان نصت المادة (510) مدني يمني على أن (الثمن الحاضر يعلم بمشاهدته والاشارة اليه والثمن الغائب يعلم بوصفه وبيان مقداره).

الشرط الخامس: ان يكون ثمن المبيع مقدور التسليم: أي يستطيع البائع إستلام ثمن المبيع من المشتري أو من غيره وقت ابرام العقد أو بعد ذلك من غير ان يكون هناك مانع قانوني أو واقعي يحول دون ذلك.

الوجه السابع : شروط ثمن المبيع عند بيع المورث لوارثه في الفقه:

إضافة الى الشروط السابقة ، فهناك شروط أخرى منها:

1 - يجب أن يكون الثمن نقديا:

مما لا شك فيه أن الذي يميز البيع عن المقايضة هو هذا الشرط، فإذا كان الثمن غير نقود ولو من المثليات التي لها سعر نقدي في البورصة أو في الأسواق كالغلال أو الأقطان فإن العقد يكون مقايضة وليس بيع، وكذلك الحال أيضاً عندما يتفق البائع والمشترى على أن الثمن هو أسهم أو سندات أو سبائك ذهبية رغم أنه من السهل معرفة قيمتها إلا أن العقد يظل مقايضة، لأن المقابل غير نقدي، ويجب أن يكون المقابل الذي يدفعه المشترى مبلغاً من النقود.

بيد أنه إذا اشترط المتعاقدين أن يدفع المقابل من المثليات المحددة للسعر كالأسهم والسندات بالسعر المعروف في البورصة، أو قام المشترى بتحويل مبلغ له في ذمة الغير إلى البائع كان العقد بيع، كما يصح أن يتفق البائع والمشترى على أن يكون الثمن إيراداً مؤبداً أو إيرادا مرتباً مدى حياة البائع ويظل العقد بيع، مادام هذا الإيراد عبارة عن نقود.

ولكن قد يبدو الأمر من الصعوبة بمكان إذا كان الثمن بعضه نقود، والبعض الأخر غير نقود، كمن يبيع منزله مقابل مبلغ نقدي وسيارة يملكها المشترى، وهنا يعتد بالعنصر الغالب في العقد، فإذا كان العنصر الغالب هو النقود كان العقد بيعا، أما إذا كان العنصر الغالب هو المقابل غير النقدي فالعقد يعد مقايضة، أما إذا لم يتبين حقيقة العنصر الغالب في العقد، وكذلك عند الشك يصير العقد مزدوجاً، فيعتبر بيعاً في حدود المقابل النقدي، ومقايضة في حدود المقابل العيني.

وفي هذا الشان نصت المادة( 351)من القانون المدني الجزائري على ان :« البيع عقد يلتزم بمقتضاه البائع أن ينتقل للمشتري ملكية الشيء أو حقا ماليا آخر في مقابل ثمن نقدي»، فيستخلص من خلال هذه المادة أن المشتري أكد على أن يكون الثمن نقدي لا غير، مثلا: لا يقدم ذهبا أو ما يعادل الذهب لانعدام النقد حتى ولو كان لهذا الذهب سعر نقدي معروف في البورصة، لأن العبرة بالنقد وقت التعاقد، لأن إنعدام الثمن يجعل العقد هبة وإذا لم يكن المبلغ نقودا فإن العقد يعتبر مقايضة وليس بيعا.

إلا أنه قد تحدث صعوبة في تكييف العقد إذا كان المقابل مبلغا من النقود مع شيء آخر مثلا: يبيع شخص حديقة متميزة مقابل منزل ومبلغا من النقود، فهذا العقد يظهر ذو طبيعة مزدوجة فإذا نظرنا إلى النقود كمقابل فهو بيع وإذا نظرنا إلى المنزل كمقابل فهو مقايضة فأختلف الفقه في تكييف هذا العقد، وهناك من أيد أحكام القضاء الفرنسي الذي اعتبر العقد مقايضة في حدود قيمة المنزل وبيعا في حدود المبلغ النقدي باعتبار تكملة للمقابل ، وهناك من رأى ضرورة تغلب احد التكييفين، وذلك بمعرفة نية المتعاقدين ما إذا كانت متجهة إلى إبرام بيع، أو مقايضة، وانتقد هذا الرأي على أساس النية لا تؤثر على تكييف العقد والقاضي غير ملزم بتكييف المتعاقدين للعقد، بل يكيفه ويصفة الوصف الصحيح طبقا لأحكام القانون.

وذهب البعض الى تغليب احد التكييفين بان يكون على أساس نسبة مقدار النقود إلى جملة المقابل فإذا كانت النقود هي الجزء الأكبر كان العقد بيعا أما إذا كان العكس فهو مقايضة بمعدل ويبقى هذا رأي المشرع الجزائري، وفقا لنص المادة 414 من القانون المدني.

2- يجب أن يكون الثمن جدياً:

من المسلم به أن الثمن يكون جدياً وحقيقياً إذا لم يكن صورياً، والثمن الصوري هو الذي ذكر في العقد دون أن يقصد البائع أن يتقاضاه من المشترى وهذا العقد لا يكون بيعاً، بل هبة مستترة في صورة بيع، ويمكن استخلاص صورية الثمن من القرائن التي تؤكد ذلك، كأن يبرأ البائع المشترى في عقد البيع من دفع الثمن أو يهبه إياه، أو أن يكون المشتري عاجزاً بشكل ظاهر عن دفع الثمن، وفى هذه الحالة يعتبر العقد هبة وليس بيع.

ومن هذا المنطلق فيجب التأكيد على أنه يلحق بالثمن الصوري الثمن التافه، ولا ينعقد به البيع، لأنه أيضاً لا يكون ثمناً جدياً ولا يتناسب على وجه الإطلاق مع قيمة المبيع، فالثمن التافه كالمعدوم ولا يتم به البيع، ويختلف الثمن التافه عن الثمن الصوري، في أن الثمن الصوري ثمن بعادل قيمة المبيع بيد أن البائع لا يقبضه، أما الثمن التافه فهو لا يتناسب مطلقاً مع قيمة المبيع ويقبضه البائع.

وذلك بتحديده صراحة في العقد، ويكون موجود فإذا حدد المتعاقدان الثمن في العقد بمبلغ نقدي يتناسب تقريبا مع قيمة المبيع واتفقا في نفس الوقت بورقة ضد وذلك على أن البائع لا يحصل على الثمن، لأن الثمن في الواقع غير موجود فهنا لا نكون امام بيع انما هبة مستترة في صورة بيع ولهذا يجب حتى يعتد بالثمن أن يكون جديا وموجودا وليس صوريا.

لأنه لو كانت الصورية في الثمن مستترة في عقد البيع فان اتباعها يخضع لقواعد العامة، فإذا ذكر الثمن في العقد بالكتابة فعلى من يتمسك بالصورية الإثبات بالكتابة أيضا، أما إذا طعن وارث أحد المتعاقدان في تصرف مورثه وألحق هذا التصرف ضرر بحقه في الميراث فيجوز له إثبات الصورية بكافة الطرق بما فيها البينة والقرائن.

وصورية الثمن لا تؤدي إلى بطلان العقد وإنما تحوله إلى عقد هبة مكشوفة أما إذا تم عقد البيع بذكر ثمن جدي وبعد ذلك تنازل عنه البائع للمشتري بعد البيع فيبقى العقد صحيحا وتجوز فيه الشفعة.

3- يجب أن يكون الثمن مقدراً أو قابلاً للتقدير:

وقد سبق ان ذكرنا ان القانون اليمني قد اشترط في الثمن أن يكون معينا وذلك في المادة (503)مدني السابق ذكرها.

 لذلك يجب أن يتفق المتعاقدان في عقد البيع على تعيين الثمن وتقديره حيث إنه لا يصح أن يستقل أحدهما بذلك دون الآخر، فإذا انفرد البائع وحده بتقديره فقد يغالى فيه فيغبن المشترى، والعكس إذا انفرد المشترى وحده بتقدير الثمن قد يبخس الثمن فيغبن البائع، لهذا يجب تعيين الثمن باتفاق المتعاقدين معاً، ولا يشترط أن تكون القيمة مقدرة فعلاً باتفاق المتعاقدين، بل يكفي أن يكون الثمن قابلاً للتقدير وذلك باتفاقهما على الأساس الذي يتم به تقدير الثمن، وفي هذا المعنى نصت المادة(512) مدني يمني على انه: (يجوز ان يقتصر تقدير الثمن على بيان الاسس التي يحدد بمقتضاها كسعر السوق في مكان وزمان تسليم المبيع او السعر المتداول في التجارة او السعر الذي جرى عليه التعامل بين المتعاقدين. واذا لم يحدد المتعاقدان الثمن وتبين من الظروف انصراف نيتهما المشتركة الى سعر بذاته كسعر السوق او السعر المتداول في التجارة او السعر الذي جرى عليه التعامل بينهما صح البيع على هذا الاساس).

ومن ضمن أسس تقدير الثمن ما ياتي:

أ- أساس التقدير بالثمن الذي اشترى به البائع:

فقد يتفق المتعاقدين في عقد البيع على أن يشترى المشترى بمثل ما اشترى البائع المبيع، أو بأكثر أو بأقل، وهذه الصورة هي ما يطلق عليها في الفقه الإسلامي (بيوع الأمانة)، ويتفرع منها اربع صور هي بيع المرابحة وبيع التولية وبيع الإشراك وبيع الوضيعة.

وتعتمد هذه الصور على الأمانة في التعامل بين الناس ولا يسمح فيها بأي قدر من الغش ولو مجرد الكذب، حيث يخول الفقه الإسلامي لمن كان قليل الخبرة في التعامل أن يتفادى غش الناس إياه، حيث يحتكم إلى ضمير وأمانة البائع فيشترى منه السلعة بأزيد مما اشترى، ولكن بقدر معلوم من الربح يضاف إلى الثمن الذي اشترى به البائع، وهذه الحالة تسمى البيع مرابحة.

وقد يتفقا على أن ينقص الثمن قدراً معلوماً أي يشترى منه بأقل من الثمن الأصلي الذي اشترى به البائع، ويسمى البيع هنا وضيعة، وقد لا يزيد ولا ينقص، بل يشترى المشترى السلعة بمثل ما اشتراها البائع أي بثمنها الأصلي ويسمى البيع تولية، وذلك إذا أخذ المشترى كل السلعة، أما إذا أخذ جزءاً منها بما يقابله من الثمن يسمى إشراكاً.

والبائع في الصور السابقة يلتزم ببيان الثمن الذي اشترى به السلعة وهو التزام جوهري، حتى يمكن أن يقدر على أساسه الثمن الذي يشترى به المشترى المبيع من البائع، وللمشترى تحرى صحة ذلك، وإذا حدث كذب من البائع فإن البيع يصبح معيباً بالغش والتدليس.

ب- أساس التقدير ” بسعر السوق “:

من المتصور أن يتفق المتعاقدان في عقد البيع أن يكون الثمن هو سعر السوق، وإذا كان الثمن غير مقدر في هذه الحالة إلا أنه يعد قابلا للتقدير، وذلك بالرجوع إلى سعر السوق في المكان والزمان المحددان في العقد، أو في مكان تسليم المبيع إذا لم يحددا السوق، وإلا يرجع إلى المكان الذي يقضى العرف بأن تكون أسعاره سارية.

ج – أساس التقدير بالسعر المتداول في التجارة أو سعر التعامل:

قد يستخلص من خلال الظروف والملابسات أن المتعاقدين قد اتفقا ضمنياً على ترك تحديد الثمن إلى السعر المتداول بين التجار، وهو ما يعرف في الفقه الإسلامي ببيع الاسترسال أو بيع المسترسل أو المستأمن كما ورد في الفقه الحنبلي، حيث يستأمن المشترى البائع فيشترى منه السلعة بما تبيع الناس أي بالسعر المتداول في التجارة، لأنه لا دراية له بالأسواق أو بالسلعة التي يشتريها.

وقد يستفاد من الظروف والملابسات أن المتعاقدين اتفقا ضمنياً على أن يكون الثمن بالسعر الذي جرى عليه التعامل بينهما، فيرجع إليه إذا كان بينهما تعامل سابق، بأن اعتاد أحدهما أن يورد للآخر سلعة معينة بسعر معين فاستمراره في توريدها له دون ذكر الثمن، معناه أنهما ضمنياً متفقان على أن يكون الثمن بنفس السعر الذي جرى عليه التعامل بينهما.

د- أساس التقدير بترك التقدير لأجنبي يتفق عليه المتبايعان:

وفى هذه الحالة يعد الثمن قابلاً للتقدير، وهذا الأجنبي وكيل عنها لأنه مفوض من المتعاقدين في تحديد الثمن، ويسرى تقديره للثمن عليهما ويلتزما به، ويتم البيع من وقت اتفاقهما على المفوض، ويعتبر البيع معلق على شرط واقف وهو تقدير المفوض للثمن، وإذا لم يقم بذلك يعتبر البيع كأن لم يكن، إلا لو اتفقا المتبايعان على شخص آخر يحل محل الأول وقدر الثمن.

ويلاحظ أن الفقه الحنبلي قد اشترط في الثمن أن يكون معلوماً للمتعاقدين حال العقد وذلك بما يعلم به المبيع، وأن يكون مقدوراً على تسليمه حال العقد لأن ما لا يقدر على تسليمه فهو شبيه بالمعدوم.

 وأساس شرط أن يكون الثمن مقدرا او قابل لتقدير اساس ذلك أن يتفق طرفا العقد على الثمن بتعيينه تعيينا دقيقا وصريحا برقم معين في العقد كما لو حدد الثمن بمبلغ معين، بحيث أن ذلك التحديد لا يدع مجال للمنازعة مستقبلا، ولا يشترط في الثمن الإمكانية والمشروعية ، لأن دفع الثمن نقدا دائما ممكنا ومشروعا، وإذا لم يحدد المتعاقدان ثمن المبيع فلا يترتب على ذلك بطلان العقد ،لأنه قد يكون التقدير ضمنيا وذلك متى تبين من ظروف المتعاقدان قد نويا اعتماد السعر المتداول في التجارة إذا كان للمبيع سعر متداول، أو سعر الذي جرى عليه التعامل بينهما.

إلا أن من الناحية العملية لا يعني أن تقدير الثمن يكون دائما متفق عليه ،لأنه بالنسبة لبيع المنقولات فان أحد المتعاقدين يحدد مقدار الثمن وغالبا ما يكون البائع ويقبله المشتري أما في بيع العقارات فيتم تقدير الثمن عن طريق التفاوض بين المتعاقدين وغالبا ما ينتهي بتفاقهما عليه، وقد يكون الثمن قابلا للتقدير في المستقبل وذلك بتبيان الأسس الموضوعية التي يستند عليها وفقا لما جاء في نص المادة 356 ق.م.ج« يجوز أن يقتصر تقدير ثمن المبيع على بيان الأسس التي يحدد بمقتضاها فيما بعد» ويشترط في الأسس التي تجعل الثمن قابلا للتقدير الوضوح التام ومتفق عليها مستقبلا وان تكون غير متوقفة على إرادة منفردة .

وذلك بتحديده صراحة في العقد، ويكون موجود فإذا حدد المتعاقدان الثمن في العقد بمبلغ نقدي يتناسب تقريبا مع قيمة المبيع واتفقا في الوقت ذاته بورقة ضد وذلك على أن البائع لا يحصل على الثمن، لأن الثمن في الواقع غير موجود فهنا لا نكون امام بيع انما هبة مستترة في صورة بيع ولهذا يجب حتى يعتد بالثمن أن يكون جديا وموجودا وليس صوريا.

لأنه لو كانت الصورية في الثمن مستترة في عقد البيع فان اتباعها يخضع للقواعد العامة، فإذا ذكر الثمن في العقد بالكتابة فعلى من يتمسك بالصورية الإثبات بالكتابة أيضا، أما إذا طعن وارث أحد المتعاقدين في تصرف مورثه وألحق هذا التصرف ضرر بحقه في الميراث فيجوز له إثبات الصورية بكافة الطرق بما فيها البينة والقرائن.

وصورية الثمن لا تؤدي إلى بطلان العقد وإنما تحوله إلى عقد هبة مكشوفة أما إذا تم عقد البيع بذكر الثمن جدي وبعد ذلك تنازل عليه البائع للمشتري بعد البيع فيبقى العقد صحيحا وتجوز فيه الشفعة.

4- أن يكون الثمن حقيقيا وليس تافها:

وأساس هذا الشرط أن يكون الثمن المقدر حقيقيا بحيث يتناسب مع قيمة المبيع وأن لا يكون تافها مما يظهر أن العقد ليس فيه ثمن مثلا كما يبيع سيارة فخمة بخمسة الاف ريالا ،ففي هذه الحالة يعد الثمن كأنه غير موجود ، وبالتالي إذا تخلف الثمن كان العقد باطلا لتخلف محل الالتزام المشتري ويعتبر هنا هبة مكشوفة.

وقد أثير في القضاء الفرنسي مثلا في تفاهة الثمن، بيع عين بثمن يساوي الربع الذي تنتجه هذه العين لمدة الحياة البائع أو يقل عنها، فذهبت أغلب أحكامه إلى أنه لا جدية في اشتراط الثمن في هذه الحالة لأنه تافه ويعد معدوما ولا يقوم به عقد البيع.

5- أن يكون الثمن متعادلا تقريبا مع المبيع :

فالمفروض أن يكون الثمن متعادلا تقريبا مع قيمة الشيء المبيع، فإذا كان الثمن اقل قيمة من المبيع بشكل خارج عن المألوف، كان هذا عدم التعادل الذي لا يقبل في البيع ، ولهذا إذا كان عدم التعادل الذي لا يقبل في البيع. كان الثمن بخسا أي به غبن فاحش يجب أن يقوم العقار بحسب قيمته وقت البيع، وتجدر الإشارة إلى التمييز بين الثمن التافه والثمن البخس فالثمن التافه يبطل عقد البيع أما الثمن البخس فلا يبطله وإنما يحق طلب تكملة الثمن.

وتنص المادة 358مدني جزائري على أنه إذا بيع عقار بغبن يزيد عن الخمس فللبائع الحق بطلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل ، ويجب لتقدير ما إذا كان الغبن يزيد عن الخمس أن يتم تقييم العقار بحسب قيمته وقت البيع ويلاحظ أن القانون الجزائري اختلف مع القانون المصري والقوانين العربية التي حذت حذوه في الطعن بالغبن في القانون الجزائري الذي يكون في كل البيوع العقارية سواء كانت لكامل الأهلية أو ناقص الأهلية على عكس ما جاء في القانون المصري حيث يطعن بالغبن فقط. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص321)، والله أعلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جريمة خيانة الامانة في القانون اليمني

قــرار جمهوري بقانون رقم (14) لسنة 2002م بشــأن قانون مدني

إستئناف قرارات النيابة العامة